انقطع الاتصال!
الكاتب : الأب رامز طوال - كاهن رعية مار يوسف اللاتين – شفاعمرو، مرشد الشبيبة والعائلات للاتين في الجليل
أبدأ مقالي هذا بسؤال أشاركه معكم: لماذا تنتهي علاقة كثير من أبناء الشبيبة بالكنيسة بعد التخرج من المدرسة؟ في كل عام نحتفل بتخريج فوج جديد من طلاب الصف الثاني عشر. نفرح بنجاحهم، ونبارك لهم بداية مرحلة جديدة من حياتهم، ونصلّي من أجل مستقبلهم. لكن بعد انتهاء الاحتفالات، يبقى أمامنا واقع لا يمكن تجاهله. فكثير من الشبان والشابات الذين رافقناهم لسنوات في التعليم المسيحي، والقداديس المدرسية، واللقاءات الرعوية، يبتعدون تدريجيًا عن حياة الكنيسة بعد التخرج. ليس جميعهم بالطبع، لكن العدد كافٍ لكي يدفعنا إلى وقفة صادقة ومسؤولة.
فالحديث هنا لا يخص الشباب والشابات وحدهم، بل يخص العائلة، والمدرسة، والتعليم المسيحي، والرعية، وكل من يشارك في تنشئة الأجيال الجديدة.
من السهل أن نحمّل الشبيبة المسؤولية كاملة، وأن نكرر العبارات المعتادة عن تغيّر الزمن وتأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فنحن نرى في العديد من الكنائس المحلية حول العالم نماذج لشبيبة تواصل انخراطها الفاعل في حياة الرعية بعد المدرسة والجامعة، من خلال الخدمة والمرافقة والرسالة. وهذا يدعونا إلى التساؤل عمّا يمكن أن نتعلمه من هذه الخبرات، وكيف نستطيع أن نرافق أبناءنا بصورة أفضل.
فشبابنا اليوم لا يختلفون كثيرًا عن شباب الأمس في احتياجاتهم الأساسية. ما زالوا يبحثون عن المعنى، والانتماء، والحب، والأمان، وعن إجابات لأسئلة الحياة الكبرى.
لكنهم يعيشون في عالم مختلف، سريع التغيّر، مليء بالأصوات المتنافسة والعروض المغرية والأسئلة الصعبة، في زمن تتعاقب فيه الأزمات والحروب والتحديات الاجتماعية والثقافية بوتيرة غير مسبوقة.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
هل نجحنا في مرافقتهم نحو إيمان ناضج وقادر على الاستمرار بعد انتهاء المدرسة؟
في كثير من بلداتنا وقرانا في الجليل، ترتبط علاقة الشاب بالكنيسة ارتباطًا وثيقًا بالمدرسة. هناك حصص تعليم مسيحي، وقداديس مدرسية، ونشاطات ومناسبات دينية متنوعة، وهي أمور مهمة وضرورية بلا شك.
لكن المشكلة تظهر عندما تنتهي المدرسة.
فإذا كانت العلاقة مع الكنيسة مرتبطة بالمؤسسة التعليمية فقط، فمن الطبيعي أن تضعف بعد التخرج. أما إذا كانت مرتبطة بشخص يسوع المسيح، وبجماعة مؤمنة، وبقناعة داخلية نابعة من القلب، فإنها تستمر وتنضج رغم تغيّر الظروف.
والتجربة تثبت أن الشبيبة التي تختبر علاقة شخصية حقيقية مع المسيح تستطيع أن تمر بأزمات الجامعة والعمل والأسئلة الفكرية دون أن تفقد بوصلة الايمان بسهولة، لأن أساس إيمانه لا يقوم فقط على العادات أو الواجبات الدينية، بل على لقاء حي مع الرب يسوع المسيح له المجد.
كما أن مرحلة ما بعد المدرسة تكشف أحيانًا عن فجوة رعوية حقيقية. فكثير من الشبان والشابات لا يجدون بعد التخرج إطارًا واضحًا يناسب عمرهم ومرحلتهم الجديدة. فيشعر بعضهم أنه انتقل فجأة من عالم النشاطات المدرسية إلى فراغ رعوي لا يعرف فيه أين مكانه أو كيف يمكنه أن يواصل نموه الإيماني.
لذلك تصبح الحاجة ملحّة إلى مسارات مرافقة للشباب الجامعي والعامل، تساعدهم على الاستمرار في النمو الروحي والإنساني، واكتشاف دعوتهم ومكانهم داخل الكنيسة.
ومن هنا لا يمكن أن نضع المسؤولية على طرف واحد.
فالعائلة هي المدرسة الأولى للإيمان. عندما يرى الأبناء في البيت صلاة حقيقية، وغفرانًا حقيقيًا، ومحبة حقيقية، يصبح الإيمان جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية.
والمدرسة المسيحية مدعوة إلى ما هو أكثر من النجاح الأكاديمي. فمهمتها لا تقتصر على إعداد طلاب ناجحين، بل على تنشئة أشخاص يحملون قيمًا واضحة، وهوية راسخة، وانتماءً حيًا لكنيستهم ومجتمعهم.
أما التعليم المسيحي، فهو مدعو إلى أن يتجاوز نقل المعلومات الدينية نحو مرافقة الإنسان في اكتشاف شخص يسوع المسيح.
وقد كتب البابا الراحل بندكتس السادس عشر: "إن المسيحية لا تبدأ بفكرة أو بمبدأ أخلاقي، بل بلقاء مع شخص، هو يسوع المسيح."
وهنا ربما نصل إلى جوهر المشكلة.
لقد نجحنا أحيانًا في تعليم معلومات الديانة أكثر مما نجحنا في تقديم المسيح المخلّص نفسه.
ونجحنا أحيانًا في تحضير الطلاب للامتحانات أكثر مما نجحنا في تحضيرهم لمواجهة أسئلة الحياة.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية.
فكثير من شبابنا تعلّموا ماذا يؤمنون، لكنهم لم يكتشفوا دائمًا ماذا يفعلون بهذا الإيمان.
وهنا تقدّم لنا الكنيسة من خلال كتاب اسمه ماذا نعمل DOCAT رؤية مهمة للغاية. فالإيمان المسيحي ليس مجرد معرفة دينية أو ممارسة فردية، بل دعوة إلى الرسالة والمشاركة والتأثير في المجتمع.
فالشبيبة لا تبقى في الكنيسة لأنها حفظت المعلومات، بل لأنها اكتشفت أن لها مكانًا فيها ورسالة من خلالها.
لا يكفي أن يعرف الشاب أو الشابة أن المسيح يحبّه وقد بذل نفسه من أجله، بل يحتاج أيضًا إلى أن يكتشف لماذا دعاه المسيح، وأين يمكنه أن يخدم، وكيف يستطيع أن يترك أثرًا في العالم من حوله.
وهنا نتذكر أسلوب يسوع نفسه في تنشئة تلاميذه. فالرب لم يكتفِ بأن يعلّمهم أو يطلب منهم الاستماع إليه، بل أشركهم في الرسالة منذ وقت مبكر. ففي إنجيل لوقا أرسل الاثنين والسبعين تلميذًا إلى المدن والقرى ليعلنوا قرب ملكوت الله. لم يكونوا قد بلغوا الكمال، ولم يكونوا قد فهموا بعد جميع أسرار المسيح، ومع ذلك منحهم يسوع الثقة والمسؤولية والمشاركة في العمل الرسولي.
وربما يحمل هذا الحدث الإنجيلي رسالة مهمة لكنيستنا اليوم. فالشباب والشابات لا ينمون في الإيمان من خلال التلقّي فقط، بل أيضًا من خلال المشاركة والخدمة وتحمل المسؤولية. فعندما يشعر الشاب والشابة أن الكنيسة تثق بهما وتمنحهما دورًا حقيقيًا، يكتشفان أن الإيمان ليس مجرد معرفة يتلقانها، بل رسالة يعيشانها ويشاركان فيها.
وربما هنا يكمن أحد التحديات الكبرى في عملنا الرعوي.

أبناء الشبيبة الجليلية في زيارة الى روما
لقد سألنا أبناءنا لسنوات طويلة:
ماذا تعلمتم؟
لكن الوقت قد حان لنسألهم أيضًا:
ماذا ستفعلون بما تعلمتم؟
هل وجد شبابنا مكانًا يخدمون فيه فعلًا؟
هل منحناهم مسؤوليات حقيقية تتناسب مع مواهبهم وقدراتهم؟
هل شعروا أن الكنيسة تثق بهم كما وثق المسيح بتلاميذه وأرسلهم إلى الرسالة؟
أم بقوا متلقّين فقط حتى نهاية المدرسة؟
لقد قال البابا الراحل فرنسيس: "الشبيبة ليست مستقبل الكنيسة فقط، بل حاضرها أيضًا." وهذا يعني أن الشبيبة ليست مشروع عضو في الكنيسة مستقبلًا، بل عضو حي فيها اليوم.
فالشباب والشابات لا يريدون أن يكونوا مجرد جمهور يشاهد من المقاعد الخلفية، بل يريدون أن يشعروا أنهم جزء من الرسالة، وأن أصواتهم مسموعة، وأن مواهبهم مطلوبة في بناء الكنيسة.
وقد تكون البداية في منح الشباب والشابات مساحات حقيقية للمشاركة واتخاذ القرار، وفي إشراكهم في العمل الرعوي والليتورجي والاجتماعي، وفي توفير مرافقة روحية منتظمة لهم، بحيث يشعرون أن الكنيسة ليست مكانًا يزورونه فقط، بل بيتًا ينتمون إليه ورسالة يشاركون في بنائها.
لذلك فإن مستقبل كنائسنا لن يتحدد بعدد الطلاب الذين ينهون التعليم المسيحي، بل بعدد الشباب والشابات الذين يكتشفون دعوتهم ورسالتهم بعد ذلك.
فالخلل الحقيقي لا يكمن في التخرج من المدرسة، بل في الاعتقاد أن التنشئة الإيمانية تنتهي عند التخرج.
فالإيمان ليس شهادة مدرسية.
والكنيسة ليست نشاطًا مرحليًا.
والمسيح ليس جزءًا من مرحلة عمرية محددة.
إنها مسيرة حياة كاملة.
ولهذا فإن التحدي المطروح أمام الأهل، والمدارس، ومعلمي التعليم المسيحي، والكهنة، والعاملين في الرعويات المختلفة، ليس فقط أن نعلّم أبناءنا الإيمان، بل أن نساعدهم على عيشه.
ليس فقط أن نعرّفهم بالمسيح، بل أن نقودهم إلى لقائه.
وليس فقط أن نرافقهم حتى الصف الثاني عشر، بل أن نساعدهم على اكتشاف دعوتهم ورسالتهم في الكنيسة والمجتمع. فالكنيسة لا تخسر أبناءها يوم يتخرجون من المدرسة، بل يوم يفشل الكبار في مرافقتهم نحو النضج في الإيمان والرسالة. عندها فقط لن يكون التخرج نهاية العلاقة مع الكنيسة، بل بداية مرحلة جديدة من النضج والمسؤولية والشهادة.
وعندها فقط يمكننا أن نقول إننا لم نكتفِ بتعليم الإيمان، بل ساعدنا أبناءنا على أن يعيشوه.
وفي ختام هذا التأمل، نضع شبيبتنا بين يدي أمنا مريم العذراء، التي رافقت يسوع بأمانة طوال حياته الأرضية، وبقيت حاضرة مع التلاميذ في بداية مسيرة الكنيسة.
فلنطلب شفاعتها من أجل شبابنا وشاباتنا، كي يقودهم ابنها إلى إيمان حيّ وناضج، ويمنحهم الشجاعة ليكتشفوا دعوتهم ورسالتهم في الكنيسة والعالم.
يا مريم، أم الكنيسة وأم الشبيبة، رافقي أبناءنا في مسيرتهم، وعلّميهم أن يقولوا لله كل يوم:" ليكن لي بحسب قولك"
آمين.

من نشاطات الشبيبة في الجليل






