وتبقى المحبة أسمى قيمة في الحياة - قراءة في كتاب "تحدي المحبّة" للكاتبة جاكلين حدّاد
الكاتب : زياد شليوط – شفاعمرو
افتتاحية: "المحبة لا تعطي إلا ذاتها، المحبة لا تأخذ إلا من ذاتها. لا تملك المحبة شيئاً، ولا تريد أن أحد يملكها. لأن المحبة مكتفية بالمحبة". هذه الكلمات الجميلة والعميقة في بساطتها علقت بذهني ولم تبرحه، منذ أن قرأت كتاب "النبي" لجبران خليل جبران، الفيلسوف والأديب المميّز، في مرحلة دراستي الثانوية. منذ تلك الفترة وأنا أفكر في معاني تلك الكلمات التي رافقتني في جميع مراحل العمر، حيث جعلني جبران أعلم أن المحبة أعمق وأكبر وأشمل من الحبّ الذي كنا ننشده في مراهقتنا، لقد فتّحت كلماته عن المحبة وعيي وتفكيري وجعلتني أبحر معها على شواطيء أورفليس، وأغوص في أعماق بحارها لأكتشف ما يحويه صدى محارها.
وبعدما وعيت أكثر التقيت بكلمات القديس بولس عن المحبة، عندما كنت أتردد على الكنيسة أيام الآحاد، وأستمع للإنجيل المقدس والرسائل، وأعود للبيت لأقرأ على مهل تلك القراءات في الكتاب المقدس كي أستوعبها وأهضمها دون تلبّك دماغي.
وقبل أكثر من عقد من الزمن التقيت بالمحبة برفقة غبطة البطريرك ميشيل صباح الكلي الوقار منحه الله الصحة وطول العمر، في كتابه "خواطر يومية من القدس" الصادر عام 2015 حيث وردت كلمة المحبة في كل صفحة من صفحاته وفي بعضها أكثر من مرة. وهو يؤكد على المحبة في كل توجهاته وكتاباته التي يثابر عليها بشكل يومي من خلال صفحته بنشر تأمل يومي من وحي العهد الجديد.

ولم يكن في ظني أنه سيأتي يوم بعد نصف قرن تقريبا، ليوقظ فيّ التفكير مجددا في معنى المحبة، وأبعادها وأساليبها ومفهومها من جديد. حيث وفر لي كتاب "تحدي المحبّة" للأخت الكاتبة والشاعرة جاكلين حداد هذه الحاجة. فقد عرفت جاكلين من خلال قصائدها القليلة التي قرأتها لها ولمست فيها صوتا جديدا ومختلفا عما هو سائد في أدبنا، واستبشرت خيرا بهذا الصوت المختلف، خاصة وأن صديقي وأخي الأستاذ رياض مخول لفت نظري إليه، ووجدت أنه أصاب فيما ذهب إليه.
كتاب "تحدي المحبّة" والتوجه الجديد
والآن دعونا ندخل إلى أبواب كتاب "تحدي المحبّة": كيف يستطيع إنسان اليوم عيش المحبة مع الآخرين. فالمحبة التي علمنا إياها السيد المسيح، له المجد، لا يمكن لنا كبشر أن نطبقها بحذافيرها كما أننا نعجز عن العمل بموجبها، ولهذا جاء هذا الكتاب وبتوجهه الجديد المستند الى علم النفس الادراكي، ليقدم لنا أدوات عملية يمكننا من خلالها تنفيذ ولو جزءا منها.
تقول الكاتبة بأن المحبّة فعل وليس مشاعر فقط (ص26)، والفعل يعني العمل والحركة والإنتاج وهذا ما تراه في حركة الجسد وفي أعمال الانسان، فالتعبير عن المحبة يكون من خلال الحركة والايماءة وهكذا ترى محبة الله للبشر في العمل الذي تجلّى بإرسال ابنه السيد المسيح، له المجد، الى هذا العالم.

في هذا القسم تعالج الكاتبة محبّة القريب، وهذه مسألة تبدو سهلة الى حدّ ما، هي محبّة لا تتطلّب منا جهدا أو تفكيرا أو اتخاذ خطوات صعبة، لأنه من الطبيعي أن ينشأ الانسان على محبّة القريب، فالطفل ينمو ويبدأ بمحبّة من يراهم حوله ويطمئنّ اليهم، بدءًا بالوالدين فالأجداد فالأقرباء وهكذا تتسع الدائرة لكنها تبقى في اطار القريب والمحيط الضيّق. ولا يتوقف القريب عند هذه التعريفات، انما ترى الكاتبة بأن القريب هو الآخر، على عكس ما هو سائد في مفهومنا، أي المختلف عنّا الذي يمكن أن نتقبّله "اذا كان قلبنا يميل الى المحبّة" (ص 41).
وهذا ما ذهب اليه البابا لاون الرابع عشر، الذي قال مؤخرا بهذا الصدد: "لا توجد محبّة لله بدون محبّة القريب، ولا يوجد قريب إن لم أقترب أنا منه. إن التوقّف، والتأثر، والانحناء، والبكاء أمام ألم الآخرين –كما فعل يسوع – يعني الدخول في حركة المحبّة، تلك التي أظهر الله نفسه من خلالها."
القسم الثاني: مواقف المحبة
في هذا القسم تنقلنا الكاتبة جاكلين الى الجانب العملي للمحبة، وهذا ما أرادت التأكيد عليه، بأن المحبّة ليست شعارا فقط بل هو عمل، فالمحبّة تدعم وتساعد: مثال، في الإصغاء للآخر وما يمكن أن يحققه من راحة للآخر اذا صدر عن محبة. (ص 57)
بعده يأتي البذل وهو من أسمى معاني المحبّة (فلس الأرملة).
وتفاجئنا الكاتبة بأن المحبّة لا تعطي فقط بل تأخذ (على عكس ما قاله جبران)! ويتجلّى ذلك بأن أجعل الآخر في دائرة أسرِي وسجني، بتقديم المعونة له، دون أن أتيح له إمكانية العطاء من جانبه، فهل يمكن احتكار المحبّة؟
المحبّة تصفح دون قيد أو شرط. الصفح من منطلق المحبّة يكون تامّا وكاملا دون مساءلة، وهذا ما فعله السّيد المسيح على الصليب. فهل نحن نصفح لمن يسيء الينا ويعتدي علينا وعلى أملاكنا وحقوقنا؟ هل بمقدورنا وبمقياسنا البشري أن نصل الى درجة يسوع المسيح؟ كلكم يعرف الجواب.
ورغم ذلك ترى الكاتبة أن "تعرّضنا للشرّ من الآخرين لا يمنحنا الحقّ والعذر بعمل الشرّ تجاههم" (ص 69). كما أوصانا السيّد المسيح: لا تقاوموا الشرّ بالشرّ.

وفي هذا الباب أتوقّف قليلا عند بناء المجتمعات بالمحبّة، حيث تقدّم لنا الكاتبة نموذجا من ألمانيا التي تعرضت للدمار في الحرب العالمية الثانية، (خطة مار شال)، حيث لم يقم المسؤولون هناك بنهب المساعدات كما يحصل في مواقع أخرى، بل عمدوا الى دفع الصناعة المحلية وإخراج بلادهم من الضائقات، والدفع بها نحو التطّور والتقدّم، وكلّ هذا بفعل المحبّة، فالمحبّة قادرة على بعث الأوطان من تحت الرماد" (ص 94) فالمحبّة تشمل الجميع عندما تكون صادقة وهذا ما طلبه السيد المسيح من تلاميذه عندما ارتفع الى السماء.
كيف يكون الحال عندما تتحول من مواطن صاحب الأرض والبيت الى لاجيء أو مقيم لا حقوق لك ولا أمان، هنا يكون التحدي الحقيقي والصعب في محبّة عدوّك وقاهرك. هنا نرى البطريرك صبّاح يسلّم أمره لله الذي يعلم كل شيء، ويطلب منه ويصلّي لكي يعيد كلّ أمر الى نصابه الصحيح "المحبّة كمال الشريعة والأنبياء. ألا تقدر يا ربّ أن تهمس هذا في نفوس من يبتهلون إليك، ثم يقتلون أبناء لك؟" (من كتابه خواطر).
القسم الثالث: معوّقات المحبّة
تبدأ المشكلة في حبّ الذّات (وهذا أمر صحيّ)، لكن عندما يخرج حبّ الذّات عن حدوده يصبح سلبيّا ومؤذيا (مثال: قايين وهابيل) عندها لا فائدة ولا منفعة منه.
من معوقات المحبّة عقد المقارنة مع الآخر وتفضيل القريب، وعدم الغفران لطرف آخر سبّب لي الأذيّة وما شابه، كما تشير الكاتبة في كتابها.
على الجانب الفردي: أن أسامح يعني ان أمنع الأذى عنّي أيضا. بأن أنظّف داخلي من الأحقاد والمشاعر السلبيّة، إلى درجة أن تقوم الضحيّة بالمبادرة الى المسامحة. هذا كلام يبدو طوباويا، لكنه يمكن أن يكون واقعيا، اذا غيّرت نظرتي الى أمر ما، أو غيّرت مكان وقوفي ونظرت للأمر من زاوية مختلفة.
القسم الرابع: السعي الى المحبة
هذا أمر يبدو سهلا لأول وهلة، لكنّه في عصرنا أمر عسير وصعب ويتطلب جهدا خاصا. السّعي يتطلّب قربا من الله بأن نعطيه قلوبنا دن تردّد أو تجزئة، أو املاء (محبّة وفق رغبتنا)، فلله طرقه التي ربما يصعب علينا فهمها، ويتواصل معنا الله بالايحاء، أو من خلف أحداث تمرّ في حياتنا دون أن ننتبه لها فور حصولها.
السّعي يتطلب منا جهدا وهذا ما يشير اليه القديس بولس ويطالبنا بأن "نتغيّر من خلال تجديد ذهننا" (ص 209) وخلع الانسان القديم فينا، وفي هذا راحة لنا خاصّة واننا نتقرّب من المحبّة.
تحقيق السعي من هذين البابين لن يتم بجهدنا الشخصي فقط، بل بمعونة من الله واستعداد ذاتي.

خلاصة:
ان كتاب: "تحدّي المحبّة" غير عاديّ، تدعو وترفع الكاتبة ابتهالها بأن "تعمل محبّة الله في نفس كل من يقرأه لما فيه الصّلاح والبنيان في حياته وحياة الآخرين" (ص 17). وهنا يظهر نجاح الكتاب. فقد لمست هذا خلال قراءتي له وبعدها، اذ جعلني أعيد التّفكير في عدّة أمور وأعمل على تجديد نفسي واحداث تغييرات داخليّة من منطلق المحبّة، ومجرّد هذه الأفكار يعني أن الكتاب حرّك في نفسي أمرا ما، وأكّد لي ما طرحته في عنوان مداخلتي، ويتطابق مع ما قالته الكاتبة: "المحبّة باقية، لا تفنى ولا تسقط.. المحبّة أعلى من العالم"(ص 248).
من هنا أبارك للأخت الشاعرة والباحثة جاكلين حداد بإصدار هذا الكتاب، وأشكرها على دعوتها لي للمشاركة في هذه الأمسية وتقديم مداخلة حول كتابها المميّز، وأتمنى لها دوام العطاء بمحبّة دون حدود. كما أشكر عريفة البرنامج الدكتور لنا وهبة على التقديم الراقي، وأشكر كذلك أهالي قرية الجش الوادعة عموما، متمنيا للجميع حياة آمنة وهادئة تسودها المحبّة والتسامح والايمان، ودمتم سالمين.
- نصّ مداخلتي في أمسية إشهار كتاب "تحدي المحبّة" للكاتبة جاكلين حدّاد، في قرية الجش مساء 11 تموز 2026
- تصوير: موقع أهلا، مع جزيل الشكر







