عيد سيدة الوردية المقدسة - لوقا ١٠: ١٧-٢٤

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"فِي تِلكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ بِدَافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ فَقَالَ: أَحمَدُكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، عَلَى أَنَّكَ أَخفَيْتَ هَذِهِ الأَشيَاءَ عَلَى الحُكَمَاءِ وَالأَذكِيَاءِ، وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ. نَعَم، يَا أَبَتِ، هَذَا مَا كَانَ رِضَاكَ. قَد سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيءٍ، فَمَا مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَن الِابنُ إلَّا الآبُ، وَلَا مَن الآبُ إلَّا الِابنُ وَمَن شَاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَهُ لَهُ" (٢١-٢٢).

عيد سيدة الوردية المقدسة - لوقا ١٠: ١٧-٢٤

 

١٧. ورجع التلامذة الاثنان والسبعون وقالوا فرحين: يا ربّ، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك. 

١٨. فقال لهم: كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق. 

١٩. وها قد أوليتكم سلطانًا تدوسون به الحيات والعقارب وكل قوة للعدو، ولن يَضُرَّكم شيء. 

٢٠. ولكن لا تفرحوا بأن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السموات. 

٢١. في تلك الساعة تهلَّلَ بدافع من الروح القدس فقال: أحمدك يا أبت، ربَّ السماء والأرض، على أنك أخفيت هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتها للصغار. نعم، يا أبت، هذا ما كان رضاك. 

٢٢. قد سلَّمَني أبي كل شيء، فما من أحد يعرف مَن الابن إلا الآب، ولا مَن الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له. 

٢٣. ثم التفت إلى التلاميذ، فقال لهم على حدة: طوبى للعيون التي تبصر ما أنتم تبصرون. 

٢٤. فإني أقول لكم إن كثيرًا من الأنبياء والملوك تمنَّوْا أن يَرَوْا ما أنتم تبصرون فلم يَرَوْا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون فلم يسمعوا.

 

          اليوم عيد سيدة الوردية المقدسة. ألقاب كثيرة نكَرِّمُ بها سيدتنا مريم العذراء، ومنها اليوم سيدة الوردية. وهي الممتلئة بالنعمة، وهي المختارة، اختارها الله لتكون شريكة في سِرِّ خلاص البشرية. أٌمُّ الله وأُمُّ يسوع كلمة الله الأزلي، ننظر إلى مريم العذراء، وفيها نشاهد حُبَّ الله للبشرية، ولكل واحد منَّا.

       اليوم، نتأمَّل فيها في أسرار حياة يسوع، في صلاة المسبحة الوردية. أسرار الفرح والألم والمجد والنور. كل مراحل حياة يسوع ومريم العذراء. من بشارة الملاك جبرائيل، والولادة في بيت لحم، ثم مراحل الآلام من صلاة الجسمانية حتى الموت على الصليب، ثم القيامة المجيدة، وكل المجد والنور في حياة مريم ويسوع.

       نصلي المسبحة الوردية، فنتأمَّل في مريم ويسوع وفي حياتهما على الأرض. فنتأمّل ونتعمّق في سِرّ الله وحُبِّه لكل واحد منَّا. نتأمَّل في تاريخ الله مع الناس. في ارتفاعنا، وارتفاع كل واحد منَّا، إلى الله.

       نصَلِّي المسبحة فنرافق البشرية في أفراحها وآلامها، ونظرُنا موجَّهٌ إلى مريم، أُمِّنا وشفيعتنا. من يستطيع أن يسند البشرية في معاركها، الكثيرة والدائمة، وفي آلامها، وحروبها، ومظالمها، وفي رفض الكثيرين فيها للشفاء... من يستطيع أن يسند البشرية، كل هذه الدموع الغزيرة، وكل هذه الأوجاع...

       نصَلِّي المسبحة الوردية ونحن ناظرون إلى سيدتنا مريم العذراء، وإلى يسوع، ننظر ونتوسّل معهما إلى الله الآب الرحيم، مُحِبّ البشر. صلاة المسبحة الوردية تقدر أن تسند البشرية، تقدر أن تسندني، وأن تَهدِيَني، وأن تحمل إليَّ القوة والعزاء.

       أُصَلِّي المسبحة الوردية، في الصمت، في مكان قفر، الله حده، معي. بهذا أستطيع أن أحمل ثقل البشرية، وأبدِّلَه بالحياة الوافرة، حياة الله.

       عيد صلاة المسبحة الوردية، عيد للتأمل في يسوع ومريم، وفي حُبِّ الله الكبير. نصَلِّي ونتابع حياتنا، الفقيرة، والصعبة، على الأرض، لكن، مع حُبِّ الله الكبير الذي ظهر لنا في مريم، الممتلئة نعمة، والمختارة لتشارك في عمل خلاص البشرية.

       لنصل ولنقل: أيتها الأم القديسة، اهديني في هذه الأرض، وثَبِّتِيني في حُبِّ الله أبي.

       "فِي تِلكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ بِدَافِعٍ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ فَقَالَ: أَحمَدُكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، عَلَى أَنَّكَ أَخفَيْتَ هَذِهِ الأَشيَاءَ عَلَى الحُكَمَاءِ وَالأَذكِيَاءِ، وَكَشَفْتَهَا لِلصِّغَارِ. نَعَم، يَا أَبَتِ، هَذَا مَا كَانَ رِضَاكَ. قَد سَلَّمَنِي أَبِي كُلَّ شَيءٍ، فَمَا مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَن الِابنُ إلَّا الآبُ، وَلَا مَن الآبُ إلَّا الِابنُ وَمَن شَاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَهُ لَهُ" (٢١-٢٢). 

       في إنجيل اليوم، يسوع، متَّحدًا مع الروح القدس ومع الآب، يعلن حُبَّ الله الذي كشفه للصغار. ومريم العذراء بين الصغار، نحن أيضًا بين الصغار. لِنَقبَلْ أن نكون معها بين الصغار، حتى نرتفع إلى قلب الله، وإلى معرفة الله. كل إنسان عاجز ولا يقدر أن يرتفع. الصغار فقط، والمتواضعون، الله هو الذي يرفعهم، فيرتفعون ويعرفونه. "فَمَا مِن أَحَدٍ يَعرِفُ مَن الِابنُ إلَّا الآبُ، وَلَا مَن الآبُ إلَّا الِابنُ وَمَن شَاءَ الِابنُ أَن يَكشِفَهُ لَهُ". والابن، الكلمة الأزلي، كشفه لمريم العذراء، ولكل واحد منَّا يقبل أن يكون بين الصغار أمام الله.

       ربي يسوع المسيح، أعطني أن أعرف أنِّي، وحدي، لا أستطيع شيئًا. أعطني أن أقبل سِرَّ حُبِّك، فأصير قادرًا على أن أراك، وأرى الآب الذي لا أحدَ يعرفه إلَّا من كشَفْتَهُ أنتَ له. آمين.

السبت ٧/١٠/ ٢٠٢٣           الأسبوع ٢٦ من السنة/أ