التواضع
الكاتب : المطران كيرلّس سليم بسترس
استعدادًا للدخول في الصوم الكبير تقرأ الكنيسة بحسب الطقس البيزنطيّ مثلَ "الفرّيسيّ والعشّار"، الذي أعطاه الربُّ يسوع "لقومٍ مقتنعين في أنفسهم بأنّهم أبرارٌ ويحتقرون الآخرين"، قال: "رجلان صعدا إلى الهيكل ليُصلِّيا، أحدهما فرّيسيٌّ والآخر عشّار.
فالفرّيسيّ انتصب وصلّى في نفسه هكذا: اللهمَّ، إنّي أحمدكَ لأنّي لستُ مثل سائر الناس الخطفة الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا العشّار. إنّي أصوم في الأسبوع مرَّتَيْن، وأدفع العُشرَ من كلِّ ما يدخل عليَّ. وأمّا العشّار فأقام بعيدًا لا يَجْرُؤُ أن يرفعَ عينَيْه نحو السماء بل كان يقرع صدرَه قائلاً: اللهمَّ ارحمني أنا الخاطئ. أقول لكم إنّ هذا نزل إلى بيته مُبَرَّرًا، وأمّا ذاك فلا، لأنّ كلَّ من رفع نفسَه وُضِع، ومَنْ وضع نفسَه رُفِع" (لوقا 9: 18-14).
الصلاة هي اتّصالٌ بالله، وبما أنّه لا يمكن الاتّصال بالله من دون الاتّصال في الوقت عينه بالناس، فالصلاة هي أيضًا اتّصالٌ بالآخرين. فالفرّيسيّ المعروف بغيرته على اتّباع فرائض الشريعة، بدأ بشكر الله، وهذه بدايةٌ حسنة. فالصلاة يجب أن تبدأ دومًا بشكر الله قبل تقديم الطلبات. لكنّ موضوعَ شكر الفرّيسيّ ليس ما أنعم به الله عليه، بل ما صنعه هو ليفتخرَ به أمام الله: الصوم، وتأدية العُشْر من مدخوله. فكأنّه يقول لله: لستُ بحاجةٍ إليكَ. لقد أتى ليصلِّيَ أي ليتَّصلَ بالله، وإذا به في صلاته يبتعد عنه. وبدل أن تقودَه صلاته إلى التقرُّب من الناس إذا به ينفصل عنهم وينعتُهم بأبشع النعوت: "الخطفة الظالمين الفاسقين"، ويضمّ معهم "هذا العشّار". هذا هو تحديد الكبرياء: المُتكبِّر يعتبرُ نفسَه وحده الإنسانَ البارَّ ويعدّ سائرَ الناس خطأةً ويحتقرهم. فخطيئتُه مزدوجة: فمن جهةٍ يتعامى عن خطاياه، ومن جهةٍ ثانيةٍ يحتقر الآخرين ولا يرى فيهم إلاّ الخطايا. يقول بولس الرسول: "المحبّة لا تتباهى ولا تنتفخ، لا تأتي قباحةً ولا تطلب ما لنفسها، لا تحتدّ ولا تظنّ السوء" (1 كورنثس 4:13-5).
أمّا العشّار، وهو مكلَّفٌ من قبل السلطات الرومانيّة بجلب الضرائب، فيُقرّ بخطاياه ويطلب إلى الله أن يرحمَه. يُذكِّرنا هذا المثل بزكّا العشّار الذي، عندما نزل يسوع ضيفًا عليه، اعترف بخطاياه وقال: "ها أنا أُعطي الفقراءَ نصفَ أموالي، وإنْ كنتُ قد ظلمتُ أحدًا أردُّ أربعةَ أضعاف. فقال له يسوع: اليوم حصل الخلاص لهذا البيت، فإنّه هو أيضًا ابنٌ لإبراهيم. إنّ ابنَ البشر قد جاء يَنشُد ما قد هلك ويخلِّصُه" (لوقا 8:19-10). هنا أيضًا يقول يسوع إنّ العشّارَ نزل إلى بيته مُبَرَّرًا، وأمّا الفرّيسيّ فلا، لأنّ كلَّ من رفع نفسَه وُضِع، ومَنْ وضع نفسَه رُفِع. بالتواضع لا يُذِلّ الإنسان نفسَه، بل يعترف بخطيئته أمام الله ليُخلِّصَه منها، وهكذا يُحقِّق في نفسه غايةَ الصلاة التي هي تغيير الإنسان ليصيرَ على مثال الله ويرتفعَ في البرّ والقداسة.
نقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: "الكبرياء ممقوتةٌ عند الربّ والناس". ثمّ يُضيف: "أوّلُ كبرياء الإنسان ابتعادُه عن الربّ، حين يبتعد قلبه عن الذي صنعه. فإنّ أوّلَ الكبرياء هو الخطيئة، ومن تمسّك بها فاض قبائح" (7:10، 12-13). الكبرياء هي حقًّا أساس كلّ القبائح، التي تظهر في علاقة المتكبِّر بسائر الناس. فالكبرياء أساس الأنانيّة: فالمتكبِّر لا يهمّه سوى نفسه، وأن يكبر، ولو على حساب الاخرين؛ الكبرياء أساس الحسد: فالمتكبِّر لا يرضى بأن يكونَ هناك مَنْ هو أفضل منه، فيمتلئ حسدًا؛ الكبرياء أساس الغضب: فالمتكبِّر قلّما يحترم أحدًا، وإذا حصل ما لا يُرضيه يغضب؛ الكبرياء أساس الطمع: فالمتكبِّر يطمع في أن يزداد شهرةً؛ الكبرياء أساس الحقد: فكبرياء المتكبِّر يمنعه من أن يُسامحَ ويُصالح؛ الكبرياء أساس البخل: فكبرياء المتكبِّر يمنعه من أن يساعدَ القريب؛ الكبرياء أساس السخرية: المتكبِّر يعتقد أنّه أفضل من سواه فيسخر من الجميع؛ الكبرياء أساس قسوة القلب والاحتقار: فالمتكبِّر يحتقر جميع الناس؛ الكبرياء أساس العناد وتحجُّر العقل: المتكبِّر لا يقتنع برأي أحد لاعتقاده بأنّ رأيَه هو وحده الصواب. ومشكلة المتكبِّر هي أنّه لا يرى نفسَه أنَه متكبِّر، لذلك يصعب عليه أن يتغيَّر، لأنّ أساسَ تغيير سلوك الإنسان هو الاعتراف بأنّه على خطأ.
إذا كانت الكبرياء أساسَ كلّ القبائح، فالتواضع هو أساس كلّ الفضائل. ذلك بأنّ المتواضعَ يعترف بنقائصه ويلجأ إلى الله ليرحمَه ويُغدِقَ عليه نعمَه، كما يقول القدّيس يعقوب في رسالته الجامعة: "إنّ الله يُقاوم المُتكبِّرين، ويُعطي المتواضعين نعمة" (6:4). وكما أنّ المتواضعَ يتقرَّب إلى الله، فإنّه في الوقت عينه يتقرَّب من جميع الناس بحسب قول بولس الرسول: "فليحسَبْ بتواضعٍ، كلُّ واحدٍ منكم، أنّ الآخرين خيرٌ منه. ولا ينظرْ كلُّ واحدٍ إلى ما هو لنفسه، بل بالحريِّ إلى ما هو لغيره" (فيبليبي 3:2-4).
ألا يحسن أن يكون هذا برنامجَ المؤمنين في زمن الصيام المقدَّس، وفي الوقت عينه برنامجَ جميع اللبنانيّين في علاقاتهم بعضِهم مع بعض؟





