مَن أَكَلَ جَسَدي وشَرِبَ دَمي، فلَه الحَياةُ الأَبَدِيَّة - يوحنا ٦: ٥١-٥٨
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس
٥١أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء: مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا، هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم. ٥٢فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضًا وقالوا: «كَيفَ يَستَطيعُ هٰذا أَن يُعطِيَنا جسدَهُ لِنأكُلَه؟» ٥٣فقالَ لَهم يسوع: «الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكم: إِذا لم تَأكُلوا جَسَدَ ابنِ الإِنسانِ وتَشرَبوا دَمَه، فلَن تَكونَ فيكُمُ الحَياة. ٥٤مَن أَكَلَ جَسَدي وشَرِبَ دَمي، فلَه الحَياةُ الأَبَدِيَّة، وأَنا أُقيمُه في اليَومِ الأَخير. ٥٥لِأَنَّ جَسَدي طَعامٌ حَقّ، ودَمي شَرابٌ حَقّ. ٥٦مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه. ٥٧وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب، فكَذٰلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. ٥٨هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء، غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هٰذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان.
"هو الَّذي جَعَلَ في الحَياةِ نُفوسَنا، ولم يُسلِمْ إِلى الزَّلَلِ أَقْدامَنا" (مزمور ٦٦: ٨-٩). ارحمنا، يا رب. جعلت في الحياة نفوسنا، ونجَّيت من الزلل أقدامنا. لكنّا يا رب، وقعنا على الأرض. نحن خائفون. جائعون، بيوتنا تدمَّر، آلاف الأسرى في السجون يُعَذَّبون. البشر قاسون، يا رب. إلى متى تتركهم في شرورهم وإساءاتهم؟ تعال وأغثنا، يا رب. نحن أبناؤك، وأنت أبونا. ارحمنا. قل كلمة وأوقف هذه الحرب التي لا تنتهي. لتكن مشيئتك، أنت الرب وخالق البشر أجمعين.

إنجيل اليوم
"أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء: مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا، هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" (٥١).
يسوع المسيح ابن الله، " كانَ في البَدءِ لَدى الله. بِه كانَ كُلُّ شَيء، وبِدونِه ما كانَ شَيءٌ مِمَّا كان. فيهِ كانَتِ الحَياة والحَياةُ نورُ النَّاس" (٢-٤). يسوع المسيح ابن الله هو خبز الحياة. هو الذي يقول ذلك: "أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء". الخبز هو جسده، " هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم".
مستمعوه في ذلك الزمن قالوا هذا كلام صعب فهمه. هذا هو المستحيل الذي تجعله قدرة الله ممكنًا. هذه دعوة لنا لندخل في أبدية الله، وفي طرق حب الله: " جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم".
خلق الله العالم وأحب العالم. خلق الإنسان وأحب الإنسان. وخطئ الإنسان، ووقع في الشر. ولم يتركه الله. "فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ، حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة" (يوحنا ٣: ١٦).
لندخل في حب الله. كل إنسان يطلب الحياة، يريد أن يكون ما هو كائن، يريد أن يعرف ربَّه وخالقه، يدخل في حب الله الأزلي.
يسوع هو نور العالم، يضيء ويبدِّد الظلمات، وينتصر على الخطيئة. مواجهة الحرب، مقاومة الحرب، أسجد للقربان الأقدس، ليسوع المسيح الذي قال: أنا خبز الحياة. حب الله وعنايته. وحروب البشر. نحن نسعى جهدنا لمقاومة الموت الذي يحمله الناس للناس، ونسجد لله خالقنا وأبينا الذي في السماء.
ونتأمل في سر تجسد كلمة الله، وفي سر ذبيحته التي قرَّبها على الجلجلة، في سر كل قداس أقيمه كل صباح، أو أشارك فيه. "إن الله أحب العالم". نعيش بين كراهيات الناس، ونقاوم شر الناس، حتى نجد أنفسنا في نور الله. هذا واقع حياتي، أتأمل فيه.
"أَنا الخُبزُ الحَيُّ الَّذي نَزَلَ مِنَ السَّماء: مَن يَأكُلْ مِن هٰذا الخُبزِ يَحيَ لِلأَبَد. والخُبزُ الَّذي سأُعْطيه أَنا، هو جَسَدي أَبذِلُه لِيَحيا العالَم" (٥١).
"فخاصَمَ اليَهودُ بَعضُهم بَعضًا وقالوا: «كَيفَ يَستَطيعُ هٰذا أَن يُعطِيَنا جسدَهُ لِنأكُلَه" (٥٢)؟
في الواقع، الإنسان لا يقدر أن يفهم هذا الكلام. المؤمن، تلميذ يسوع المسيح، الممتلئ بالروح القدس، يؤمن. يدخل في النور، يُعمَى بنور السر، ويبقى في نوره.
وتابع يسوع كلامه: "مَن أَكَلَ جَسدي وشَرِبَ دَمي ثبَتَ فِيَّ وثَبَتُّ فيه. ٥٧وكما أَنَّ الآبَ الحَيَّ أَرسَلَني وأَنِّي أَحْيا بِالآب، فكَذٰلِكَ الَّذي يأكُلُني سيَحْيا بي. ٥٨هُوَذا الخُبزُ الَّذي نَزَلَ مِن السَّماء، غَيرُ الَّذي أَكلَهُ آباؤُكُم ثُمَّ ماتوا. مَن يأكُلْ هٰذا الخُبْز يَحيَ لِلأَبَد" (٥٦-٥٨).
أسلوب آخر للحياة. الحياة الأبدية على الأرض، هنا، بين الويلات وشقاء الأرض، وحروبها، والحياة بعد الأرض، ما بعد خطيئة الإنسان وحروبه، وكل ما يوجد في الأرض.
الحياة هنا، على هذه الأرض، حياة جديدة، بالرغم من خطيئة الإنسان. في ظلمات الحرب، وأهل الحرب، الحياة الجديدة هي ملح ونور للجميع. حياة مع الله، حياة الله، حتى نقول مع القديس بولس: لست أنا الذي أحيا، بل المسيح هو الذي يحيا فيَّ.
لنطلب الحياة، ولنستقبل عطية الحياة من الله أبينا. لتكن حياتنا مع يسوع المسيح، الذي مات وقام من بين الأموات، وصار لنا خبز الحياة الذي يبدِّلنا، لنتحد به، ونكون معه واحدًا، كما أنه هو والأب واحد.
ربي يسوع المسح، أحببْتَ العالم، أحببْتَ الإنسان، ونحن بعيدون عنك في هذه الأرض وحروبها. أرسل إلينا روحك القدوس ليملأنا بحياتك ولنقدر أن نمنح الحياة للمعذبين والمائتين في هذه الأرض. آمين.
الأحد ٧/٦/٢٠٢٦ الأحد العاشر من السنة







