كُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِعَ، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع - لوقا ١٨: ٩-١٤

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

٩وضَرَبَ أَيضًا هٰذا المَثَلَ لِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنين أَنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس: ١٠«صَعِدَ رَجُلانِ إِلى الهَيكَلِ لِيُصَلِّيا، أَحَدُهما فِرِّيسيّ والآخَرُ جابٍ. ١١فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِمًا يُصَلِّي فيَقولُ في نَفْسِه: «اللَّهُمَّ، شُكرًا لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالِمينَ الفاسِقين، ولا مِثْلَ هٰذا الجابي. ١٢إِنِّي أَصومُ مَرَّتَيْنِ في الأُسبوع، وأُؤَدِّي عُشْرَ كُلِّ ما أَقتَني». ١٣أَمَّا الجابي فوَقَفَ بَعيدًا لا يُريدُ أَن يَرفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، بل كانَ يَقرَعُ صَدرَهُ ويقول: «اللَّهُمّ ارْحَمْني أَنا الخاطِئ!» ١٤أَقولُ لَكم إِنَّ هٰذا نَزَلَ إِلى بَيتِه مَبرورًا وأَمَّا ذاكَ فلا. فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِعَ، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع».

كُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِعَ، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع - لوقا ١٨: ٩-١٤

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"عَينُ الرَّبِّ على مَن يَتَّقونَه، على مَن يَرجونَ رَحمَتَه" (مزمور ٣٣: ١٨). ارحمنا، يا رب. يا رب، في هذه الحرب، في الموت الذي صار رفيقنا في حياتنا اليومية، في كل مكان، اسهر علينا. كل رجائنا في رحمتك، وفي حبك لنا الذي لا حدود له. أبعد عنا يا رب الذين يريدون أن يهلكونا، عن الذي يريدون الحرب والموت. نجنا من الشرير. إننا وضعنا كل ثقتنا في حبك. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

٩وضَرَبَ أَيضًا هٰذا المَثَلَ لِقَومٍ كانوا مُتَيَقِّنين أَنَّهم أَبرار، ويَحتَقِرونَ سائرَ النَّاس: ١٠«صَعِدَ رَجُلانِ إِلى الهَيكَلِ لِيُصَلِّيا، أَحَدُهما فِرِّيسيّ والآخَرُ جابٍ. ١١فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِمًا يُصَلِّي فيَقولُ في نَفْسِه: «اللَّهُمَّ، شُكرًا لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالِمينَ الفاسِقين، ولا مِثْلَ هٰذا الجابي. ١٢إِنِّي أَصومُ مَرَّتَيْنِ في الأُسبوع، وأُؤَدِّي عُشْرَ كُلِّ ما أَقتَني». ١٣أَمَّا الجابي فوَقَفَ بَعيدًا لا يُريدُ أَن يَرفَعَ عَينَيهِ نَحوَ السَّماء، بل كانَ يَقرَعُ صَدرَهُ ويقول: «اللَّهُمّ ارْحَمْني أَنا الخاطِئ!» ١٤أَقولُ لَكم إِنَّ هٰذا نَزَلَ إِلى بَيتِه مَبرورًا وأَمَّا ذاكَ فلا. فكُلُّ مَن رَفَعَ نَفْسَه وُضِعَ، ومَن وَضَعَ نَفْسَه رُفِع».

زمن الصوم هو زمن صلاة، لا الصلاة التي هي طقوس أو احتفالات دينية خارجية، بل صلاة حية بحياة الله. ماذا يعني هذا الكلام؟ قال التلاميذ ليسوع: يا رب علِّمْنا أن نصلي. وكيف تكون الصلاة؟ في المثل، يبين لنا يسوع صلاة تستجاب وصلاة لا تستجاب.

رجل ممتلئ بالكبرياء، ممتلئ بنفسه، حتى صار لا يقدر أن يرى أي شر في نفسه. جاء إلى الهيكل ووقف أمام الله، يظن أنه إنسان مستحق فقط. ويقارن نفسه بغيره، فهو أفضل منهم. هم خطأة، بكل أنواع الخطيئة، أما هو فطاهر، لا يرى أي شر في نفسه. في الواقع هذا الرجل لم يُصَلِّ. لم يضع نفسه في حضرة الله. بل وضع نفسه أمام نفسه، وأُعجِبَ بصورة نفسه. أنانية مفرطة أصابته بالعمى. وعلاوة على ذلك يتهم ويحتقر أخاه.

أية صلاة هذه؟ أن يفاخر بنفسه وممارساته الدينية الخارجية، وأن يحتقر أخاه؟

ورجل آخر صعد إلى الهيكل وصلَّى أمام الله. رأى نفسه صغيرًا متواضعًا خاطئًا. لم يقارن نفسه بإخوته. وحيد، لكن تواضعه سمح له أن يرى حقيقة نفسه. فهو خاطئ يطلب المغفرة. صلاته هي لحظة حقيقة أمام الله خالقه.

وختم يسوع المثل بقوله: المتكبر المنغلق في نفسه وفي ممارساته الخارجية لم يسمح لنفسه أن يرى الله. لم يقدر أن يرى سوى نفسه. ذهب إلى الهيكل، لكنه كبرياءه منعته من أن يلتقي مع الله. الرجل الأخر، المتواضع، رأى واعترف بخطيئته، فجاء الله لملاقاته.

وإذا طبَّقنا المثل على أنفسنا: كم من الممارسات الدينية الخارجية حملتنا إلى الكنيسة، كم شاركنا في احتفالات دينية؟ هل كانت كلها عبادة بالروح والحق؟ أم كانت لحظات مجد باطل أو تشتت، أو رتابة أعمال، غلبت على نفسنا؟ وسؤال آخر: هل كانت أعمالنا الظاهرة أمام الله مطهرة مكملة بمحبتنا لإخوتنا؟ أم بالعكس، وقفنا أمام الله وحملنا في قلبنا ضغينة لأحد إخوتنا؟ كم مرة آتي إلى الكنيسة لقداس الأحد أو لاحتفالات دينية أخرى بقلب مشتت أو حتى مثقل بخطيئة ما، ولا أطلب أن ألتقي الله؟ كم مرة أذهب إلى بيت الله، أبينا جميعًا، وحدي، من دون أخي، من دون أن أحمل معه همومه وأحزانه، بل حتى مثقلا بضغينة له في نفسي؟

زمن الصوم هو زمن صلاة وتنقية كاملة. هذا ما يعنيه المثل. إذًا، إن ذهبتَ للصلاة، لا تجعل أعمال عبادتك الظاهرة زمنًا لك، لتستريح في مجدٍ باطل، أو في تشتت رغباتك.  أعمال العبادة الظاهرة هي زمن لله، وليس لك، زمن لتحرر نفسك من شر في نفسك، ولتفتح قلبك حتى تطهره من كل كراهية لأي من أخوتك، فتستطيع أن تلتقي مع الله أبينا جميعًا.

ربي يسوع المسيح، علمني أن أصلي. احفظني في نورك. حررني من كل ما يبعدني عنك. احفظني متحدًا بك. آمين.

السبت ١٤/٣/٢٠٢٦                   بعد الأحد الثالث من الصوم