قلب مريم الطاهر - لوقا ٢: ٤١-٥١
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"فَلَمَّا أَبصَرَاهُ دَهِشَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعْتَ بِنَا ذَلِكَ؟ فَأَنَا وَأَبُوكَ نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ بَحَثْتُمَا عَنِّي؟ أَلَم تَعلَمَا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ أَن أَكُونَ عِندَ أَبِي؟ فَلَم يَفهَمَا مَا قَالَ لَهُمَا... وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحفَظُ تِلكَ الأُمُورَ كُلَّهَا فِي قَلبِهَا".
٤١. وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح.
٤٢. فلمَّا بلغ اثنتَيْ عشرة سنة، صعدوا إليها جريًا على السُنَّةِ في العيد.
٤٣. فلمَّا انقضت أيام العيد ورجعا، بقي الصبيُّ يسوع في أورشليم، من غير أن يَعلَمَ أبواه.
٤٤. وكانا يظُنَّان أنه في القافلة، فسارا مسيرةَ يوم، ثم أخذا يبحثان عنه عند الأقارب والـمعارف.
٤٥. فلمَّا لم يجداه، رجعا إلى أورشليم يبحثان عنه.
٤٦. فوجداه بعد ثلاثة أيام في الـهيكل، جالسًا بين المعلِّمين، يستمع إليهم ويسألهم.
٤٧. وكان جميع سامعيه مُعجَبِين أشدَّ الإعجاب بذكائه وجواباته.
٤٨. فلما أبصراه دَهِشَا، فقالت له أُمُّه: يا بُنَيَّ، لِمَ صنَعْتَ بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك متلهِّفَيْنِ.
٤٩. فقال لهما: ولِمَ بَحَثْتُما عنِّي؟ ألم تعلما أنه يجب عليَّ أن أكون عند أبي؟
٥٠. فلم يفهما ما قال لهما.
٥١. ثم نزَلَ معهما، وعاد إلى الناصرة، وكان طائعًا لهما، وكانت أُمُّه تَحفَظُ تلك الأمور كلَّها في قلبها.
يوم الجمعة، أمس، كان عيد قلب يسوع. واليوم السبت، عيد قلب مريم الطاهر.
قلب مريم، أُمِّ يسوع كلمة الله الأزلي، الذي صار إنسانًا. مريم، أُمُّ الله، كان قلبها مليئًا بابنها يسوع، ابن الله العليّ، ومليئًا بإرادة الله. بعد بشارة الملاك لها، قالت: لتكُنْ مشيئة الله. هي والدة الله، وقالت: أنا أَمَةُ الله. ثم أَنشدَتْ أيضًا الأمور العظيمة التي صنعها الله إليها: تعظِّم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي. لأنه صنع إليَّ عظائم.
كانت مريم تحفظ كل شيء في قلبها، ولو انها لم تفهم دائمًا كل مشيئة الله الذي اختارها. لم تفهم الظروف الصعبة التي أحات بولادة يسوع، ليلة بيت لحم، ثم الهرب إلى مصر، ثم قتل الأطفال الأبرياء. وبعد ذلك، اللقاء مع سمعان الشيخ في الهيكل، الذي تنبأ لها قائلا: وأنت سيجوز سيف في نفسك. وفي إنجيل اليوم، يسوع، ما زال صغيرا، ١٢ سنة، يوجِّه كلامًا صعبًا إلى مريم ويوسف، لا يفهمانه، لكن مريم كانت تحفظ كل شيء في قلبها.
"فَلَمَّا أَبصَرَاهُ دَهِشَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، لِمَ صَنَعْتَ بِنَا ذَلِكَ؟ فَأَنَا وَأَبُوكَ نَبحَثُ عَنكَ مُتَلَهِّفَيْنِ. فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ بَحَثْتُمَا عَنِّي؟ أَلَم تَعلَمَا أنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ أَن أَكُونَ عِندَ أَبِي؟ فَلَم يَفهَمَا مَا قَالَ لَهُمَا... وَكَانَتْ أُمُّهُ تَحفَظُ تِلكَ الأُمُورَ كُلَّهَا فِي قَلبِهَا".
ولما كبر يسوع، وبدأ يعظ بملكوت الله، بلغت مريم عنه إشاعات كثيرة. فالبعض معجب به، والبعض يقول إنه شارد العقل. فخرجت مع بعض الأهل تبحث عنه لتعيده إلى البيت. لكن هنا أيضًا ترك يسوع مريم أمام السر. قال: من أمي، ومن إخوتي وأخواتي؟ كل من يصنع مشيئة أبي هو أمي وأخي وأختي. وعادت مريم إلى الناصرة، تحفظ كل شيء في قلبها، وتتأمل في سر يسوع ابنها.
وعلى الجلجلة وقفت مريم عند الصليب تتألم بصمت. وتتأمل في سر ابنها على الصليب. ابنها ابن الله، حكم عليه الناس بالموت. فكرَّرَت قولها في صمت: لتكن مشيتك يا الله، ووقفت تشارك ابنها آلامه.
على الصليب أظهر يسوع لنا محبته حتى أقصى الحدود. أحب خاصته، فأحبهم حتى أقصى الحدود، حتى بذل حياته من أجل من أَحَبَّهم. وقفت مريم أُمُّه عند الصليب، تتأمّل وتتألَّم وتحِبّ. تحِبُّ الله، وتُحِبُّنا، كما أحبَّنا الله فأرسل إلينا ابنه الوحيد ليخلصنا.
قلب مريم الظاهر أحَبَّ الله، وأحبَّ البشرية في حب الله. أحبّت مريم ابنها يسوع، وحملت سره في قلبها. وأحبَّتْ يوسف في مشيئة الله الذي أراد أن يشركه معها في خطة خلاص البشرية. وفي قلبها الكبير مثل قلب الله، أحبتنا جميعًا. لنسأل أنفسنا: ونحن، هل نرافق يسوع مثلها؟ هل نقبل كل سره مثلها؟ هل نقبل مشيئة الله مثلها؟
ايتها البتول الكلية الطهارة، أعطنا قلبا طاهرًا مثل قلبك، الذي يرى الله فقط، ويرى البشرية كلها في قلب الله. آمين.
السبت ١٧/٦/٢٠٢٣






