قراءة في كتاب " البطريرك ميشيل صباح للكنيسة والانسان والوطن" للكاتب زياد شليوط

الكاتب : البروفسور زاهر عزام

بدءاً أتقدم بجزيل التهاني لأخي وصديقي الأستاذ زياد شليوط، على اصدار كتابه الرائع " البطريرك ميشيل صباح للكنيسة والانسان والوطن" فيه تناول مسيرة أول بطريرك عربي يتبوّأ السدّة البطريركية اللاتينية في القدس منذ تجديدها سنة 1847.

قراءة في كتاب " البطريرك ميشيل صباح للكنيسة والانسان والوطن" للكاتب  زياد شليوط

بدءاً أتقدم بجزيل التهاني لأخي وصديقي الأستاذ زياد شليوط، على اصدار كتابه الرائع " البطريرك ميشيل صباح للكنيسة والانسان والوطن" فيه تناول مسيرة أول بطريرك عربي يتبوّأ السدّة البطريركية اللاتينية في القدس منذ تجديدها سنة 1847.

لقد جاء هذا الكتاب ليس فقط لتوثيق السيرة الذاتية لغبطته وجمع مواد مبعثرة من هنا وهناك. بل أراد المؤلف أن يوصل رسالة تكون منارة وبوصلة لكل كاهن ورجل دين وهي أهمية التفاعل مع الشعب الذي يخدمه إن كان في الجانب الوطني السياسي حيث جاءت فترة رعوية البطريرك صباح في فترة حرجة من تاريخ هذه المنطقة وبالذات الشعب الفلسطيني في الأراضي المقدسة، وإن كان في الجانب الاجتماعي والتربوي ومن لا يعرف دور الكنيسة من خلال مدارسها ومؤسساتها التربوية في الرقيّ وتعليم وتثقيف أبناء شعبنا من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

اختار الأستاذ زياد أن يستعرض مسيرة حياة وعمل غبطته بشكل مبتكر وجميل وهو من خلال شهادات آباء أجلاء عاصروا البطريرك وعملوا معه عن كثب ومن ثم توسعت الدائرة لتشمل شخصيات جليلة وبعضها جليلية أي سيادة المطران بطرس معلم والمطران الياس شقور أمدّ الله في عمريهما، وبشهادة د. ذياب عيوش، نائب رئيس مجلس أمناء مركز اللقاء الذي أسسه المرحوم د. جريس سعد خوري.

لقد جاء هذا الاستعراض المبتكر موفقا اذ أضفى عليه ديناميكة وحيوية مشوقة تعرفنا فيه على شخص غبطته من خلال أحداث جاءت في حقبة تاريخية صعبة في هذه الديار وسأتطرق لها لاحقا.

أقولها وبصراحة إني انزعجت بداية وأنا ألهث وأسبر غور الكتاب لأتعرف على شخصية غبطته قبل رسامته الحبرية، والكثير يعرف إني خريج التخنيون والتعامل مع الأرقام هو نهج تربينا عليه خلال دراستنا. والأستاذ زياد لن يروي عطش القاريء في استعراض "ويكبدي" لسيرة البطريرك ميشيل المبنية على النظام الكرونولوجي للأحداث بل من خلال التفاعل مع الحدث نفسه، مع مجتمعه وشعبه.

حتى أساهم في هذا الجزء من شخصية غبطته دلَوتُ هذه الأرقام والسنوات من خلال قراءتي للكتاب.

ولد غبطة البطريرك ميشيل صباح سنة 1932 لعائلة نصراوية كريمة. في سنة 1955 سيم الأب ميشيل كاهنا وعين كاهنا مساعدا في رعية مأدبا في الأردن.

بعد فترة وجيزة أرسل الأب ميشيل لدراسة اللغة العربية والأدب العربي في الجامعة اليسوعية في لبنان، ليعود بعدها الى القدس ويصبح مديرا عاما لمدارس البطريركية.

عقب حرب 1967 انتقل الأب ميشيل للخدمة في أبرشية جيبوتي حيث عمل أيضا كأستاذ للغة العربية والاسلاميات. في سنوات السبعين عين كاهنا لرعية المصدار في عمان.

في أوائل الثمانينات انتخب رئيسا فخريا لجامعة بيت لحم حتى رسامته بطريركا سنة 1987.

من خلال شهادات الأب رفيق خوري، الأب مناويل مسلم والأب الياس عودة حاولت أن أرسم بروفيل غبطة البطريرك وأوجزها في عدة بنود:

  • البساطة في التعامل مع جميع الناس حتى بعد أن أصبح بطريركا.
  • الذكاء الحاد، فالذين عاصروا فترة تعليمه في المدرسة الاكليريكية في بيت جالا، شهدوا أن علاماته لم تنزل عن المائة. يا حبذا أبناؤنا يقتدون به ويضعون التميز في التحصيل العلمي في محور دراستهم.
  • الولع باللغة العربية والتشجيع على كتابة الشعر وفي هذا المقام على ما يبدو لم ينجح غبطته في استخراج بيت شعر واحد من قدس الأب رفيق خوري.
  • القيادية والمقدرة على اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب حتى في ظروف شبه مستحيلة وهنا أريد أن أتوقف عند اختيار قدس الأب مناويل مسلم لخدمة رعية اللاتين في غزة هاشم سنة 1995 والتي أرادها البطريرك ميشيل لفترة وجيزة امتدت 14 عاما استطاع فيها الأب مناويل بحنكته وحكمته أن يحظى بثقة جميع فئات المجتمع الغزي وفصائله حيث أطلق عليه لقب " بابا غزة".
  • التلقائية في التعامل مع الناس وبعض الأحداث.
  • التواضع والصبر.
  • الترتيل وهنا أقتبس شهادة الأب مناويل حيث جزم أن صوت البطريرك لم يكن ملائما للترتيل.
  • الصراحة البعيدة عن المجاملة كما شهد د. ذياب عيوش، نائب رئيس مجلس أمناء اللقاء.

لقد بادر غبطته سنة 1990 خلال تواجد بطاركة الشرق الكاثوليك في روما الى طرح فكرة انشاء مجلس الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة، أو ما يعرف باسم السينودس الأبرشي للكنائس الكاثوليكية في الأراضي المقدسة. لقد رسخ هذا السينودس التعاون بين الكنائس الكاثوليكية على جميع الأصعدة شملت الاكليروس والشعب.

وهنا لا بد وأن أتوقف عند تقييم سيادة المطران بطرس معلم لخدمة غبطته كما وثقها الأستاذ زياد في الكتاب. لقد أشاد سيادته بمقدرة البطريرك على بناء علاقات أخوية وحميمة مع الجميع الأمر الذي سهّل فتح أبواب المعهد الاكليريكي أمام كهنة الروم الكاثوليك بمن فيهم الذين كانوا متزوجين.

كذلك اشادة سيادة المطران بطرس بالتعاون مع غبطته من أجل بناء منهاج للتعليم المسيحي والنضال سوية من اجل حقوق المدارس الأهلية.

أما سيادة المطران الياس شقور فقد وصف البطريرك بأنه لم يكن رئيسا ومترئسا بل كان أبا ومرشدا. " شعرنا من البداية باحترام وعطف ومحبته".

الجدير ذكره أن التعاون لم ينحصر في الكنائس الكاثوليكية بل تعداها لتشمل الكنائس الأرثوذكسية والبروتستانتية.

  • الحوار الإسلامي – المسيحي: يعود اهتمام البطريرك بالحوار المسيحي – الإسلامي الى ما قبل تنصيبه بطريركا، وهنا لا بد أن أتوقف عند شهادة الأب رفيق الذي قال " من الطبيعي بعد تعيينه بطريركا أن يجعل من منصبه جسرا نحو المسلمين. فكانت جسور التلاقي بينه وبين المؤسسات الإسلامية في الأرض المقدسة قائمة باستمرار حيث كان موضع احترام لدى الجميع.

في رسالته الرعوية الأولى رسم غبطة البطريرك رؤيته قائلا: " وان أرضا مثل أرضنا، عرفت بالتعددية عبر الاجيال، ان أرادت أن تكون أمينة لنفسها، وان أراد الانسان فيها أمينا لها، يجب أن يكون أمينا لطابعها هذا. والأمانة للتعددية يعبر عنها بالحوار. والا قام الأطراف بعملية نحر متبادل وبنحر الأم الواحدة أي الأرض المعذبة وهذا وذاك وحاملة التراث لهذا وذاك."

أما سماحة الشيخ تيسير التميمي، قاضي القضاة السابق في فلسطين فقد وصف البطريرك بأنه " شخصية عربية فلسطينية وحدوية وهو محل احترام وتقدير أبناء الشعب الفلسطيني كله، وهو بعيد عن التعصب الديني وانه من اركان الوحدة الوطنية في بلادنا".

وهنا لا بد وأن أشيد بدور مركز اللقاء في تعميق هذا الحوار وفي الكتاب الذي صدر عن المركز في اليوبيل الفضي أكد غبطة البطريرك نظرته للحوار والعلاقات " أريد للمسلم أن يكون مسلما مخلصا لدينه والمسيحي أن يكون مسيحيا مخلصا لدينه، لا هو يتنازل عن ايمانه ولا أنا أتنازل عن ايماني ونلتقي في خدمة المجتمع".

التوجه السياسي الوطني للبطريرك صباح:

لقد أكد غبطته بأننا رسلون لنؤيد الحياة والمحبة ولهذا نرفع صوتنا لندافع عن المظلوم ولندعو الظالم إلى تحرير نفسه من ظلمه. وفي رسالة الميلاد لعام 2001 قال عن الجدار العازل " السور العازل لن يعزل ولن يحمي.. لن تكون الأسوار حدودا آمنة بل القلوب الآمنة هي الحدود الآمنة".

لقد جلبت نشاطات ومواقف غبطته غضب الجانب الإسرائيلي ولكنه رفض التصنيفات وقال " لست بطريركا سياسيا ولست وطنيا محاربا. أنا مؤمن بالله الذي يريد الحرية والكرامة للجميع".

المسيحيون العرب في إسرائيل: يرى غبطته أن هوية المسيحي العربي في دولة إسرائيل تتكون من عدة مركبات وبناء عليها يسلك.

في المجمل عبر عبطته عن آمال والآم شعبه وأراد أن تكون المحبة والعدالة رمزا لرعويته. لقد أجمع الكثير أن البطريرك ميشيل صباح لم يكن بطريركا سياسيا انما كان كما ذكر المرحوم د. جريس سعد خوري بأن البطريرك هو الصوت النبوي الذي دعا الى تحقيق العدل والسلام للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. وهذا ما أكده سيادة المطران الياس شقور والدكتور برنارد سابيلا، أما سيادة المطران بطرس المعلم فانه يعتقد كما جاء في الكتاب أن لا غضاضة في نشاط البطريرك السياسي وانه لا يمكن تجاهل السياسة في حياتنا.

لا بد أني أطلت عليكم الحديث عن هذا الكتاب الشيق والمهم ولذلك سأنهي باستعراض مقتضب للفصل الخامس من الكتاب الذي به استعرض الأستاذ زياد نشاطات غبطته المتصاعدة بعد التقاعد. وهنا لا بد لي أن أنوه بأن غبطته مع تحديد سنوات عمل أصحاب المهام الكنسية.

مع خروج غبطته للتقاعد شارك في الاجتماعات والمبادرات التي تهم الكنيسة والشعب الفلسطيني.

إقامة إطار فكري جديد باسم " المبادرة المسيحية الفلسطينية" التي أصدرت وثيقة " وقفة حق ".

تفعيل مركز اللقاء الذي دخل مرحلة فراغ بوفاة مؤسسه د. خوري.

حلقات فكرية هدفها الى مناقشة مساهمة العلماني في دعم الكنيسة والمجتمع.

إقامة صندوق استثمار اقتصادي حتى تستطيع الكنيسة المحلية الاستغناء عن " منحة" الكنائس في العالم أي على المساعدات الخارجية، وأنصح الحضور أن يقرأ بتمعن هذا الفصل ص (64-66).

انتاج فكري عميق: منها الخواطر على صفحات التواصل الاجتماعي.

                       كتاب امرأة من فلسطين عن مسيرة حياة مرغريت شحادة قشوع.

                   كتاب عن حياة الكاهن الإيطالي يوسف دوسيتي.

                   دراسة عن المقاومة السلمية في فلسطين.

وقفات احتجاجية في وجه الاعتداءات على المقدسات

أوسمة رسمية وشعبية لغبطة البطريرك.

التواصل مع شرائح المجتمع ولقد حظيت بحضور زيارة غبطته ملبيا دعوة رجل المجتمع والإصلاح العم أبو مبدى نعوم وحضور شخصيات شفاعمرية وقطرية.

وفي الختام أهنيء أخي وصديقي زياد ثانية على هذا الإصدار الموفق، وتحية عطرة لغبطة أبينا البطريرك ميشيل صباح على هذه المسيرة الرائعة المتصاعدة في العطاء، الداعمة للحق والمؤمنة بالسلام والعدل في الأرض. ولا بد لي أن أذكر شعار غبطته الذي هو من نبوءة أشعيا " ويكون ثمر العدل سلاما ويسكن شعبي في بهاء السلام".