يسوع والآب واحد - يوحنا ٨: ٢١-٣٠
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"فَإِذَا لَم تُؤْمِنًوا بِأَنِّي أَنَا هُوَ، تَمـُوتُون فِي خَطَايَاكُم. فَقَالُوا لَهُ: مَن أَنتَ؟" (٢٤-٢٥). "فَقَالَ لَهُم يَسُوع: مَتَى رَفَعْتُم ابنَ الإنسَانِ عرَفْتُم أنِّي أنَا هُوَ، وَأَنِّي لَا أَعمَلُ شَيْئًا مِن عِندِي، بَل أَقُولُ مَا عَلَّمَنِي الآبُ" (٢٨).
٢١. فقال لهم ثانية: أنا ذاهب ستطلبونني، ومع ذلك تموتون في خطيئتكم، وحيث أنا ذاهب فأنتم لا تستطيعون أن تأتوا.
٢٢. فقال اليهود: أتراه يقتل نفسه؟ فقد قال: حيث أنا ذاهب فأنتم لا تستطيعون أن تأتوا.
٢٣. قال لهم: أنتم من أسفل، وأنا من عَلُ. أنتم من هذا العالم، وأنا لست من العالم هذا.
٢٤. لذلك قلت لكم: ستموتون في خطاياكم، فإذا لم تؤمنوا بأني أنا هو، تموتون في خطاياكم.
٢٥. فقالوا له: من أنت؟ فقال يسوع: أنا ما أقوله لكم منذ بدء الأمر.
٢٦. عندي في شأنكم أشياء كثيرة أقولها وأحكم فيها. على أن الذي أرسلني صادق، وما سمـِعْتُه منه أقوله للعالم.
٢٧. فلم يفهموا أنه كلَّمَهم على الآب.
٢٨. فقال لهم يسوع: متى رفَعْتُم ابنَ الإنسان عرَفْتُم أني أنا هو، وأني لا أعمل شيئًا من عندي، بل أقول ما علَّمَني الآب.
٢٩. إن الذي أرسلني هو معي، لم يتركني وحدي، لأني أعمل دائمًا أبدًا ما يُرضِيه.
٣٠. وبينما هو يتكلَّم بذلك، آمن به خَلْقٌ كثير.
"فَإِذَا لَم تُؤْمِنًوا بِأَنِّي أَنَا هُوَ، تَمـُوتُون فِي خَطَايَاكُم. فَقَالُوا لَهُ: مَن أَنتَ؟" (٢٤-٢٥).
مستمعو يسوع يتابعون جدالهم معه ليعرفوا من هو؟ ويسوع يحاول أن يُفهِمَهم مَن هو، أنه من عَلُ، من عند الآب. في آخر الأمر، "آمَنَ بِهِ خَلقٌ كَثِيرٌ"، أما "المجادلون" فلم يؤمنوا. المجادلون الذين لا يريدون أن يرتفعوا إلى أعلى مما يستوعب عقلهم، الذين يريدون أن يبقوا على الأرض فقط.
سألوه: من أنت؟ وقال لهم يسوع بوضوح إنه والآب واحد. وإن الآب لا يتركه وحده. ليس إنسانًا وحده. نعم، يسوع إنسان حق، لكنه أيضا إله حق، هو والآب واحد. هل فهم المستمعون ذلك؟ هل نفهم اليوم نحن ذلك؟ نحن الذي وُلِدنا في الإيمان، وتعلَّمْنا أن الله ثلاثة أقانيم، آب وابن وروح قدس، إله واحد.
عقلنا طبعًا لا يتَّسِع لهذا الفهم. لأن الله أكثر بكثير مما يقدر عقلنا أن يستوعب. لكننا، بنعمة منه تعالى، آمنَّا، قلنا: أومن، يا رب، بما أنت. اومن بأنك الخالق، وأومن بأنك أبٌ ومحِب.
من أنت؟ لنسأل يسوع مرارًا: من أنت؟ حتى يجيب علينا، ويسند ضعفنا، ويُفهِمُنا ما لا نفهم بمحض قوانا. هو مِن علُ. لكن نحن أيضًا من الله، من خَلْقِه، ومن حُبِّه. نحن على صورته. وضع فينا مقدرة لأن نُحِبَّه، لأن نقبله كما هو. ونحن نفهم ولا نفهم حبَّه لنا، وكل ما يمنحنا إياه. نفهم ولا نفهم سِرَّ يسوع الإله الحق والإنسان الحق، سر يسوع الذي أراد أن يتألم ويموت على أيدي البشر، مع أنه هو مانح الحياة، ومُوجِدُ الكون. لماذا أراد أن يمر بالآلام وبإهانات الناس... ثم يقوم ممجَّدًا، وبه يصبح الموت حياة فيه، وفينا أيضًا حياة جديدة.
"فَقَالَ لَهُم يَسُوع: مَتَى رَفَعْتُم ابنَ الإنسَانِ عرَفْتُم أنِّي أنَا هُوَ، وَأَنِّي لَا أَعمَلُ شَيْئًا مِن عِندِي، بَل أَقُولُ مَا عَلَّمَنِي الآبُ" (٢٨).
متى رفعتم ابن الإنسان، متى صلبتموه، متى أطعتم جهلكم، وأنكرتم كل ما ترون وتسمعون مني، إذاك تفهمون. "تَفهَمُونَ أنِّي أنَا هُوً". لما سأل موسى الله، عند العليقة المحترقة: ما اسمك؟ قال له الله "أنا هو". أنا الكائن. أنا الوجود. وفي سر الجلجلة يقول لنا "أنا هو".
آمنْا، يا رب. لكن هل الإيمان فينا حياة يومية، أم ممارسات وأعمال خارجية، صوم وصلوات وطقوس؟ كيف نؤمن؟ كيف نفهم كلام يسوع: "أنا هو"، وأنا والآب واحد. هل نفهم ونعيش ما نفهم؟ هل نسمع من الله ونعيش ما نسمع؟
زمن الصوم هو زمن الوقوف أمام الله، لنسمع ما يقول لنا الله. الله يقول محبة، الله يقول: يسوع ابن الله صار إنسانًا ليخلص العالم، ليخلصك.
ربي يسوع المسيح، أنا أمامك في زمن الصوم المقدس، أسجد وأسأل جلالك، أسأل حبك: من أنت؟ أنِرْ عقلي، أفهِمْني من أنت، أنك حبًّا لي تقبَّلْتَ الآلام والموت. وأفهِمْني من أنا، أني من صُنعِ يدَيْك، وعلى صورتك صنَعْتَني، مثلك قادرًا على الصلاح، وقادرًا على الحب. أعطني أن أبقى في نورك، وفي حبك. آمين.
الثلاثاء ٢٨/٣/٢٠٢٣ بعد الأحد الخامس في زمن الصيام






