لِلخَمرَةِ الجَديدة زِقاقٌ جَديدة - مرقس ٢: ١٨-٢٢
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
١٨وكانَ تَلاميذُ يوحَنَّا والفَرِّيسيُّونَ صائِمين، فأَتاه بَعضُ النَّاسِ وقالوا له: «لِماذا يَصومُ تَلاميذُ يوحَنَّا وتَلاميذُ الفِرِّيسيِّين، وتَلاميذُك لا يَصومون؟» ١٩فقالَ لَهم يسوع: «أَيَستَطيعُ أَهلُ العُرسِ أَن يَصوموا والعَريسُ بَينَهم؟ فما دامَ العَريسُ بَينَهم، لا يَستَطيعونَ أَن يَصوموا. ٢٠ولٰكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعُ العَريسُ مِن بَينِهم. فعِندئذٍ يَصومونَ في ذٰلك اليَوم. ٢١ما مِن أَحَدٍ يَرقَعُ ثَوبًا عَتيقًا بِقُطعَةٍ مِن نَسيجٍ خام، لِئَلَّا تَأخُذَ القِطعَةُ الجديدَةُ على مِقْدارِها مِن الثَّوبِ وهو عَتيق، فيَصيرُ الخَرقُ أَسوَأ. ٢٢وما مِن أَحَدٍ يَجعَلُ الخَمرَةَ الجَديدَةَ في زِقاقٍ عَتيقة، لِئَلَّا تَشُقَّ الخَمرُ الزِّقاق، فتَتلَفَ الخَمرُ والزِّقاقُ معًا. ولٰكِن لِلخَمرَةِ الجَديدة زِقاقٌ جَديدة.
سنة جديدة ٢٠٢٦. وحرب قديمة، قصد إبادة، مستمرة من٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم وقف إطلاق النار في ٩/١٠/٢٠٢٥. صراع بلا حل. لا يراد له الحل إلا بالإبادة. مستوطنون وجنود يعتدون. وتدمير بيوت وتهجير، والإنسان يقتل ويُسجَّلُ رقمًا يزداد كل يوم. ومع ذلك، الأمل في هذه السنة أن تكون جديدة، وفيها خير جديد هو سلام وعدل. الله سيفتقد أرضه وأهلها.
"في ضيقي الرَّبَّ دَعَوتُ، وإِلَيه إِلٰهي صَرَختُ، فسَمِعَ صَوتي مِن هَيكَلِه، وبَلَغَ صُراخي مِسمَعَيه" (مزمور ١٨: ٧-٨). ارحمنا، يا رب. نحن في ضِيق، يا رب، بسبب ما نحن فيه في حاضرنا، وبسبب مستقبلنا الذي لا نراه بعد، في غزة وفي كل فلسطين. يتكلمون هذه الأيام على "لجنة إدارة" تحكم غزة، لكن تحت سلطة الاحتلال. صورة جديدة للاحتلال، وللظلم، ستكون مصدر صراع وموت من جديد. اللهم، وَجِّهْ خطواتهم نحو الحقيقة والعدل. قل كلمتك، يا رب، وأْمُرهُم بإنهاء هذه المأساة في أرضك المقدسة، وفي المنطقة كلها. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم
"كانَ تَلاميذُ يوحَنَّا والفَرِّيسيُّونَ صائِمين، فأَتاه بَعضُ النَّاسِ وقالوا له: لِماذا يَصومُ تَلاميذُ يوحَنَّا وتَلاميذُ الفِرِّيسيِّين، وتَلاميذُك لا يَصومون؟" (١٨).
تلاميذ يوحنا يسألون يسوع: لماذا تلاميذك لا يصومون ونحن نصوم؟ نحن وهم. نحن وأنتم. روح الانقسام والتحيز. هذا يمكن أن يحدث بيننا نحن تلاميذ يسوع اليوم، في الكنيسة جسد المسيح الواحد، في مختلف الجمعيات والمجموعات والهيئات الرهبانية وغيرها.... نحن وهم، نحن وأنتم. بمعنى أن ليس المسيح هو الذي نخدمه، بل مشاريع بشرية، "نحن"، وليس معلمنا الواحد يسوع المسيح، - بسهولة يمكن أن نخلط ونُحِلَّ أنفسنا أو جمعيتنا محَلّ يسوع.
إنها تجربة الإنسان الدائمة، منذ تجربة آدم وحتى اليوم، نريد أن نصير مثل الله، بل أن نحِلَّ محلَّ الله، بطريقة أو أخرى، بتضخم "الأنا" فينا، بوعي أو لا وعي.
خدمة يسوع، وخدمة جميع أبناء الله، ولحب الله فقط، أبينا الذي في السماء، ويدفعنا فقط حب الله، ونوره. مع الله أبينا. لا مع أنفسنا. ومع يسوع الابن الحبيب الذي جاء ليكمل الشريعة والذي لخَّص كل الأوامر والنواهي في وصية واحدة: أحبب الله وقريبك، أبناء الله.
كيف نخرج من مخاصمات هذا العالم؟ كيف نخرج من تضخم "الأنا" فنطهِّرَ قلوبنا ورؤانا ومشاريعنا؟ كيف نخرج من رؤانا المتحزبة، حتى الحروب؟ نصلي ونبتهل إلى الآب حتى يُخضِعَ شرَّ "الأنا" فينا لنوره تعالى ولحبه.
ونحن علينا أن نوصِّل الله إلى الناس، لا ذاتنا ولا مشاريعنا. يجب أن نقدِّسَ مشاريعنا وكل غيرتنا "لله ولشؤون الله". الحب وحده يعطي معنى لكل ما نعمله. قوى الشر في العالم كثيرة، ونرى أنفسنا عاجزين عن عمل شيء تجاهها. لكن الحب الصادق، الصافي من كل ميل بشري، إنما هو طاقة ونقدر بها أن نغلب قوى الشر. يسوع قال: إني غلبت العالم، ثقوا لا تخافوا. مثله نقدر. بمقدار حبنا نقدر. "الأنا" فينا لا يقدر.
لماذا هم لا نحن؟ كلنا تلاميذ، كلنا واحد في المسيح، وفي حب الله الواحد.
"ما مِن أَحَدٍ يَرقَعُ ثَوبًا عَتيقًا بِقُطعَةٍ مِن نَسيجٍ خام، لِئَلَّا تَأخُذَ القِطعَةُ الجديدَةُ على مِقْدارِها مِن الثَّوبِ وهو عَتيق، فيَصيرُ الخَرقُ أَسوَأ. وما مِن أَحَدٍ يَجعَلُ الخَمرَةَ الجَديدَةَ في زِقاقٍ عَتيقة، لِئَلَّا تَشُقَّ الخَمرُ الزِّقاق، فتَتلَفَ الخَمرُ والزِّقاقُ معًا. ولٰكِن لِلخَمرَةِ الجَديدة زِقاقٌ جَديدة" (٢١-٢٢).
موضوع آخر يمكن أن يقسم الأبناء في جسد المسيح الواحد، القديم والجديد. هنا أيضًا، الحب يوحد. رؤية الله، وإخضاع رؤانا وانفعالاتنا، لله. المشروع واحد هو لله. وليس مشاريع بشر كثيرة. فلْنَبقَ في رؤية الله وفي نوره. ونُحِبّ. هكذا نُعِدّ الطريق لله في خلقه. كل ما هو لله هو القديم والجديد. قديم وجديد بحب الله ونوره. هو الذي نسجد له. هو يسوع المسيح نفسه الذي مات وقام حبًّا لنا. فلنضع مشاريعنا البشرية الكثيرة في خدمة مشروع الله الواحد، حتى نعرف الله أبانا، وتكون لنا الحياة الوافرة التي جاء يمنحنا إياها.
ربي يسوع المسيح، أحببتنا مع ضعفنا، بالرغم من كل أوجه ضعفنا. أعطنا القوة لنبقى أمناء للحق، ألا نبدِّلَ مشروعك الواحد بمشاريعنا الكثيرة. أعطنا أن نضع مشاريعنا البشرية المختلفة في مشروعك الإلهي الواحد: أن نحبك ونحب أبناءك، إخوتنا وأخواتنا. آمين.
الاثنين ١٩/١/٢٠٢٦ بعد الأحد الثاني من السنة






