التأثير الثقافي للمسيحية

الكاتب : نهى زعرب – قعوار – شاعرة وباحثة - الناصرة

التأثير الثقافي للمسيحية ضخم للغاية وشديد التشعب، إضافة إلى أنه يشمل جميع مجالات الحضارة؛ في قائمة المائة شخصية الأكثر تأثيرًا في تاريخ البشرية، ذكرت 65 شخصية مسيحية من مختلف المجالات.

التأثير الثقافي للمسيحية

تاريخ الكنيسة أو المسيحية هو تاريخ الحضارة الغربية، فقد أثرت المسيحية بشكل كبير على المجتمع ككل بما في ذلك الفنون واللغة والحياة السياسة وحياة الأسرة والموسيقى وحتى طريقة التفكير الغربية اختلطت بالتأثير المسيحي. ولذا فإن دراسة تاريخ الكنيسة اليوم يعتبر من المواضيع الهامة جدًا.

أما على مر العصور فلقد ساهم كل من رجال الدين والعلمانيين المسيحيين على حد سواء مساهمات كبيرة في تطوير الحضارة الإنسانيّة، كما ويُذكر أن هناك المئات من المسيحيين البارزين الذين ساهموا في الحضارة الإنسانية والمجتمع الغربي من خلال تعزيز وتطوير العلوم والتكنولوجيا، والطب، والفن، والموسيقى، والأدب، والمسرح، والفلسفة، والعمارة، والاقتصاد والسياسة. ذكر كتاب ذكرى 100 عام لجائزة نوبل أنَّ حوالي (65.4%) من الحاصلين على جائزة نوبل بين الأعوام 1901- 2000 كانوا من المسيحيين. لقد رعت الكنيسة مختلف أنواع العلوم، خصوصًا، الفلك، والرياضيات، والتأثيل، والفلسفة، والبلاغة، والطب، والتشريح، والفيزياء خصوصًا المنسوبة إلى أرسطو)، والفيزياء المكيانيكية خصوصًا أدوات الحرب، والكيمياء، والجغرافيا، والفلسفة، وعلوم النبات والحيوان، وكانت المسؤول الرئيسي عن نشوء بعضها كعلم الوراثة، ووفقاً لإطروحة ميرتون كان للبروتستانتية أيضًا تأثيرٌ مهمٌ على العلوم. وكان للكنيسة دورٌ في تطور مجالات أخرى كالرسم أو النحت، وبلغت الهندسة والرياضيات شأوًا انعكس من خلال تطور العمارة في القرون الوسطى؛ إلى جانب التأثيل الفلسفة ممثلاً بالقديس توما الأكويني على وجه الخصوص، والأدب واللغات واللسانيات والموسيقى والمسرح والسياسة والقانون والاقتصاد والتعليم والطب والتشريح والرعاية الصحية وغيرها، كما وشجعت على الاعتناء بالنظافة الشخصية والعدالة الاجتماعية. إضافة لكون أغلب الأعمال الفنية الكبرى من مختلف الأصعدة أيضًا كانت مرتبطة بالمسيحية، فالقسم الأكبر منها مأخوذ من الكتاب المقدس أو يمثل مقاطعًا وأحداثًا منه؛ سوى ذلك فإن كبريات الجامعات في العالم اليوم أنشئت بجهود الكنيسة كجامعة أوكسفورد وباريس وجامعة بولونيا؛ ولا يمكن حصر التأثير المسيحي في الحضارة الغربية وحدها، إذ لعب المسيحيون أيضًا دورًا بارزًا في بناء الحضارة الشرقية والإسلامية. كذلك للمسيحية دور في مضمار الأخلاق والعائلة.

إلى جانب ذلك، فإن التقويم الأكثر انتشارًا في العالم اليوم، هو التقويم الميلادي الذي كان يوليوس قيصر أول من وضعه ثم قامت الإمبراطورية الرومانية لدى اعتناقها المسيحية بحسابه بالنسبة لميلاد المسيح، وأعيد تعديله من قبل الفاتيكان في القرن السادس عشر خلال حبرية البابا غريغوريوس الثالث عشر بناءً على ملاحظات العالم إليسيوس ليليوس الذي وجد تقصيرًا في تقويم يوليوس قيصر فقدم التقويم عشرة أيام كاملة عام 1581. كذلك هنالك أعياد ذات صبغة مسيحية أو أصلها مسيحي ويُحتفل بها على نطاق واسع في العالم مثل عيد جميع القديسين (الهالويين)، الكرنفالات، الفالنتاين دي ورأس السنة الميلادية.

كانت الثقافة الغربية، طوال معظم تاريخها، تقريباً معادلة للثقافة المسيحيَّة، ويمكن وصف جزء كبير من سكان نصف الكرة الغربي كمسيحيي الثقافة. وترتبط فكرة "أوروبا" و"العالم الغربي" ارتباطًا وثيقًا بمفهوم "المسيحية والعالم المسيحي"، كما أنّ العديد من المؤرخين ينسب الهوية الأوروبية للمسيحية لكونها الرابط الذي أوجد هوية أوروبية موحدة. وساهم المسيحيون الشرقيون (ولا سيَّما النساطرة) في الحضارة العربية الإسلامية في عهد الأمويين والعباسيين من خلال ترجمة أعمال الفلاسفة اليونانيين إلى اللغة السريانية وبعد ذلك إلى اللغة العربية. كما برعوا في الفلسفة والعلوم واللاهوت والطب. وكان الكثير من الباحثين في بيت الحكمة من خلفيّة مسيحية.