الأسبوع الثالث للمجيء/أ - متى٥: ١٣- ١٦

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

"أَنتُم مِلحُ الأَرضِ"(١٣)."أنتُم نُورٌ العَالَم" (١٤). "فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاسِ، لِيَرَوْا أَعمَالَكُم الصَّالِحَةَ، فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ" (١٦).

الأسبوع الثالث للمجيء/أ - متى٥: ١٣- ١٦

 

١٣. أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأي شيء يملحه؟ إنه لا يصلح بعد ذلك إلا لأن يطرح في خارج الدار فيدوسه الناس. 

١٤. أنتم نور العالم. لا تخفى مدينة قائمة على جبل، 

١٥. ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت. 

١٦. هكذا فليضِئْ نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجدوا أباكم الذي في السموات. 

 

"أَنتُم مِلحُ الأَرضِ"(١٣).

الملح يعطي طعمًا للطعام. المؤمن يرى معنى للحياة، ويبيِّن لغيره معنى الحياة. لأن المؤمن لنفسه ولغيره. كل إنسان لا يكتمل إلا بغيره، كذلك المؤمن يكتمل بعطائه لغيره. بأن يكون ملحًا لغيره. والملح يذوب، والمؤمن يبذل كل جهده، ومهما كانت التضحية في سبيل غيره، فهو يقبلها.

والملح قليل. ولمؤمن قليل متواضع، أو قليل بالعدد. فمهما كان عدده له قيمته، قيمته وفعله في نفسه، وفي الملح الذي يحمله، وليس في عدده. لهذا كرر يسوع مرارًا، لا تخافوا أيها القطيع الصغير، أنتم ملح ثمين، لأنفسكم ولغيركم، ولكل مجتمعكم.

وأنتم مرسَلون فيه من قبل الله، لا لتُثبِتوا أنفسكم، جماعة من الناس، أو طائفة، أنتم مرسلون من قبل الله لتظهروا مجد الله. الملح الذي هو أنتم يعطي معنى للحياة، لأنه يظهر وجه الله للناس، ويظهر حب الله للناس. هذه رسالة المسيحي، حاملٌ المحبة، فيٌحِب جميع الناس، ولا يفرق، ويدعو الجميع إلى المحبة. ولا يهمه العدد. ولا تخيفه الأعداد الكثيرة، فهو ناظر إلى الله، الذي هو أكبر من كل عدد، والمؤمن الصادق بالله، ولو كان واحدًا يقدر أن ينقل الجبال. يقدر أن يخدم خدمة فاعلة في الكنيسة وفي المجتمع. حامل المحبة في المجتمع. والمجتمع، مجتمعنا، وفي كل مكان، في حاجة إلى مزيد من المحبة. محبة لله، ومحبة بعضنا لبعض.

"أنتُم نُورٌ العَالَم" (١٤). ملح ونور. النور من طبيعته ينتشر ويشمل كل شيء. المسيحي نور ليس فقط للجماعة المسيحية، بل نور للعالم. لا يتكبر لذلك ولا يفتخر. النور ليس منه، بل من الله الذي يرسله. ويرسله إلى غيره. ليس أفضل من غيره في شيء. ليحافظ المؤمن على تواضعه. هو في حد ذاته لا شيء. وكل ما فيه فهو من الله، أعطاه إياه الله له ولكل إخوته. مسؤولية المؤمن أن يضيء، ألا يطفئ النور فيه، فيطفئ الإيمان فيه. السراج يضيء. المؤمن نور، أي مسؤول أمام إخوته. نور بسيرته، بإيمانه، بكل عمل صالح يعمله، بكل لفتة يلتفتها إلى أحد إخوته. هو في حالة عطاء دائم، مثل النور.

"فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاسِ، لِيَرَوْا أَعمَالَكُم الصَّالِحَةَ، فَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَوَاتِ" (١٦). 

المسيحي نور لا ليظهر نفسه، بل ليظهر وجه الله. لا ليمجده الناس لخير يعمله، بل ليمجدوا الله الذي أعطاه أن يكون نورًا وأن يعمل خيرًا لإخوته ولمجتمعه. ليعرف المسيحي نفسه، هو ملح وهو نور، فهو مسؤول عن إخوته، هو ملح لهم ونور لهم، هو رسالة لهم. وليكن دائمًا حذرًا: "إذَا فَسَدَ الملح... إنَّهُ لَا يَصلُحُ بَعدَ ذَلِكَ إلَّا لِأَنْ يُطرَحَ فِي خَارِجِ الدَّارِ فَيَدُوسُهُ النَّاسُ".  إن لم يبقَ ملحًا ونورًا فهو كأنه غير موجود، وغير مسيحي، وغير مؤمن. مسيحي بنوره، وبمثاله، وبحضوره أمام الله، وبزيادة المحبة في مجتمعه. أنتم ملح ونور. أنتم عدد قليل. لا تخافوا، لستم أنتم الذين تعملون بل روح أبيكم هو الذي يعمل فيكم، إن بقيتم ساهرين ناظرين إلى وجهه.

ربي يسوع المسيح، أعطني أن أكون نورًا وملحًا لكل إخوتي. أعطني أن أعرف أني مسؤول عن إخوتي، عن كل إخوتي، لأننا جميعا أبناؤك. آمين.

الثلاثاء 13/12/2022