أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه - يوحنا ١: ١٩-٢٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

١٩وهٰذه شَهادَةُ يوحَنَّا، إِذ أَرسَلَ إِلَيه اليَهودُ مِن أُورَشَليمَ بَعضَ الكَهَنَةِ واللَّاوِيِّينَ يَسأَلونَه: «مَن أَنتَ؟» ٢٠فاعتَرفَ ولَم يُنكِرْ، اِعتَرَفَ: «لَستُ المسيح». ٢١فسأَلوه: «مَن أَنتَ إِذًا؟ أَأَنتَ إِيلِيَّا» قال: «لَستُ إِيَّاه». «أَأَنتَ النَّبِيّ؟» أَجابَ: «لا!» ٢٢فقالوا له: «مَن أَنتَ فنَحمِلَ الجَوابَ إِلى الَّذينَ أَرسَلونا؟ ماذا تَقولُ في نَفسِكَ؟» ٢٣قال: أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: قَوِّموا طَريقَ الرَّبّ. كَما قالَ النَّبِيُّ أَشَعْيا. ٢٤وكانَ المُرسَلونَ مِنَ الفِرِّيسِيِّين، ٢٥فسَأَلوهُ أَيضًا: «إِذا لم تَكُنِ المسيحَ ولا إِيلِيَّا ولا النَّبِيّ، فلِمَ تُعَمِّدُ إِذًا؟» ٢٦أَجابَهُم يوحَنَّا: «أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه، ٢٧ذاكَ الآتي بَعدِي، مَن لَستُ أَهلًا لِأَن أَفُكَّ رِباطَ حِذائِه». ٢٨وجَرى ذٰلك في بَيتَ عَنْيا، عِبْرَ الأُردُنّ، حَيثُ كانَ يوحَنَّا يُعَمِّد.

أَنا أُعَمِّدُ في الماء، وبَينَكم مَن لا تَعرِفونَه - يوحنا ١: ١٩-٢٨

 

سنة جديدة ٢٠٢٦. وحرب قديمة، قصد إبادة، مستمرة من٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ثم وقف إطلاق النار في ٩/١٠/٢٠٢٥. صراع بلا حل. لا يراد له الحل إلا بالإبادة. مستوطنون وجنود يعتدون. وتدمير بيوت وتهجير، والإنسان يقتل ويُسجَّلُ رقمًا يزداد كل يوم. ومع ذلك، الأمل في هذه السنة أن تكون جديدة، وفيها خير جديد هو سلام وعدل. الله سيفتقد أرضه وأهلها.

"مِن أَجْلِ اغْتِصابِ البائِسينَ وتَنَهُّدِ المَساكين، أَقومُ الآنَ، يَقولُ الرَّبّ، وأُنعِمُ بِالخلاصِ على مَن إِلَيه يَتوقون." (مزمور ١٢: ٦).  ارحمنا، يا رب. هذا جوابك، يا رب، لكل المظلومين في غزة، لكل المعذَّبين فيها، لكل الذين يرجونك: "مِن أَجْلِ اغْتِصابِ البائِسينَ وتَنَهُّدِ المَساكين، أَقومُ الآنَ، يَقولُ الرَّبّ، وأُنعِمُ بِالخلاصِ على مَن إِلَيه يَتوقون". الفقراء والمعذبون ينتظرونك، يا رب. كلنا، خليقتك، أبناؤك، ننتظرك، يا رب. نجنا من أهل الحرب في أرضك. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

 

"وهٰذه شَهادَةُ يوحَنَّا، إِذ أَرسَلَ إِلَيه اليَهودُ مِن أُورَشَليمَ بَعضَ الكَهَنَةِ واللَّاوِيِّينَ يَسأَلونَه: «مَن أَنتَ؟» ... قال: أَنا صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: قَوِّموا طَريقَ الرَّبّ" (١٩-٢٤).

«مَن أَنتَ؟»

نعود إلى حياتنا العادية في هذه السنة الجديدة. والكنيسة تقترح علينا أن نتأمل في شخص يوحنا المعمدان، المرسل ملكن قبل الله ليعد طرق الله على الأرض. هذه رسالة مكلَّفٌ بها كل مؤمن: الإرشاد إلى طرق الله على الأرض. نحيا حياتنا، ورتابتها، وسنة جديدة. لكنا نعرف أن لحياتنا معنى، لكل خطوة نخطوها، لكل عمل نعمله معنى، أسمى من الأرض. نحن مرسَلون. أنا مرسِلٌ لأعِدَ طرق الله على الأرض، لكي اعرِّف الأرض وأهل الأرض على خالقهم.

لم نولَد لحياة رتيبة، لنحيا ثم نموت. نحن في فكر الله الأزلي خالقنا وأبينا وهو يرسلنا، كل واحد منا، لنحمل رسالة: بناء الأرض لمجده تعالى، ولحياة فائضة لكل الناس. حياة مليئة بالله، بحبه، وبحب جميع أبنائه.

«مَن أَنتَ؟»

طرح مرسلو الفريسيين هذا السؤال على يوحنا المعمدان. من أنت؟

وأنا أطرح السؤال على نفسي: من أنا؟ من انا لكل الناس الذي ألقاهم، لأخل في حياتهم، وأقول لهم كلمة حياة؟ الله أبي ماذا يريد مني؟ في زمن الميلاد تأملنا في الرسالات الكبرى في الإنسانية، وأولا يسوع المسيح نفسه الذي أرسله الآب إلى الإنسانية ليفديها ويصالحها مع الله، ثم مريم ويوسف ويوحنا المعمدان... الذين أشركهم. الله في سره لخلاص الأرض.

كل واحد منا، أنا، مكمل لرسالتهم، لرسالة يسوع المسيح، وهي أن أعرِّف الناس بالآب، كما عرَّفنا يسوع به: "ِنَّ اللهَ ما رآهُ أَحدٌ قطّ، الِابنُ الوَحيدُ الَّذي في حِضْنِ الآبن هو الَّذي أَخبَرَ عَنه" (يوحنا ١: ١٨).

يسوع الابن الوحيد عرَّفنا بالآب، وأرسلنا لنبشِّر العالم ليعرفه هو أيضًا. نحن عرفنا الله، ودعانا لنحيا في تدبيره الأزلي لخلاص العالم، ولنكمل الفداء الذي تممه يسوع المسيح.

من أنت؟ كل أخوتي وأخواتي يسألوني هذا السؤال.

وأنا، أمام يسوع المسيح الذي أرسلني، أطرح السؤال على نفسي: أنا من؟

أنا غبار، أنا من طين الأرض، أنا خطيئة، أنا مسؤول ولو جزئيًّا عن شر الأرض، لكن أنا أكثر من ذلك أيضًا: أنا صورة الله، أنا ابن الله، يحبني الله أبي، وأنا تلميذ ليسوع المسيح لأحمل رسالته، ونوره حتى أقاصي الأرض. أنا مسؤول عن شؤون الله، ومسؤول عن تقريب الإنسانية، ولو خطوة نحو خالقها.

من أنا؟ إنسان مثل كل الناس، مثل يسوع، ولكن أيضًا نور وحياة لكل إخوتي وأخواتي، مثل يسوع.

ربي يسوع المسيح، أبدأ اليوم رتابة حياتي في السنة الجديدة. أعطني أن أغلب الروتين، والفتور، التعب وكل عائق، بالحياة الوافرة التي تعطيني إياها. آمين.

الجمعة ٢/١/٢٠٢٦