نتمنى على شبابنا المسيحي التمسك بإيمانه وانتمائه لوطنه
الكاتب : المطران عطا الله حنا
القيامة – وجه سيادة المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس صباح اليوم السبت 17 أيلول الجاري، رسالة الى الشبيبة المسيحية التي يعقد مهرجانها ومؤتمرها في هذه الأيام في مدينة بيت لحم .
نخاطب شبابنا متمنين لهم بأن يكونوا دائما مخلصين لايمانهم المسيحي، كونوا مسيحيين حقيقيين متشبثين بقيم الانجيل المقدس وتعاليمه ورسالته في هذا العالم، وانطلاقا من ايماننا المسيحي نؤكد بأننا سنبقى دوما دعاة حق وأخوة وسلام وليس مطلوبا منا ان نكون حياديين في الشأن الوطني، فالحيادية في الشأن الوطني انما تثير علامات استفهام كثيرة، فنحن لا نعيش أزمة هوية فهويتنا معروفة للقاصي والداني، نحن مسيحيون نجاهر بمسيحيتنا ونتمسك بها، ونحن فلسطينيون ننتمي الى هذا الوطن والى هذه القضية العادلة التي هي قضيتنا جميعا كأبناء للشعب الفلسطيني الواحد .
ندرك جيدا ان هنالك شريحة من الشباب تعيش حالة خوف من مستقبل مجهول، بسبب الاوضاع الراهنة وبسبب ما يحيط بنا من تحديات، وهنالك شباب ينتظرون تأشيرة السفر لكي يغادروا بلدهم ويهاجروا الى بلدان أخرى، وهنالك من يتقوقعون ويظنون بأن المسيحية التي ننادي ونؤمن بها انما هي عازل وحائل، يقف بيننا وبين اخوتنا الآخرين من أبناء هذا الوطن .
أقول لشبابنا الذين يفكرون بالهجرة لا تفكروا بذلك، فهذا خطأ كبير ترتكبونه لأنكم لن تجدوا مكانا أجمل من فلسطين في هذا العالم، وما أقوله لكم ليس شعارا وكلاما فضفاضا كما يظن البعض بل هذا هو الواقع .
اسألوا من سافروا خلال الحقب المنصرمة، وبعضهم يشعر بالندم على قرار خاطىء اتخذه في حياته، ولا يجد طريقة لتصحيح هذا الخطأ .
لا ترتكبوا هذا الخطأ الفادح، لأن هجرة المسيحيين وخاصة شريحة الشباب من هذا الوطن انما هي خسارة لنا جميعا، وخسارة لكم أنتم بنوع خاص لأننا لا نريد ان تشعروا بالغربة ولا نريد ان تتحول كنائسنا الى متاحف يؤمها الزوار والحجاج الآتون اليها من كل حدب وصوب .
البعض يوجهون سهام اتهاماتهم للقيادات الكنسية والبعض الآخر يحدثوننا عن ظاهرة التطرف والأصوات العنصرية، وكذلك انعدام وجود تصاريح تسهل حركة الانتقال من مكان الى مكان، وكلها مبررات لا طعم لها ولا لون ولا يجوز ان تجعل الشاب المسيحي يشعر بالغربة ويفكر بالهجرة .
بلادنا أرض مقدسة ليس فقط بتاريخها ومقدساتها باعتبارها مهد المسيحية، بل هي مقدسة لأن فيها أقدم وأعرق حضور مسيحي في هذا العالم، وهو امتداد للجماعة المسيحية الأولى التي عاشت في هذه الديار منذ أكثر من ألفي عام .
حافظوا على هذا التاريخ وحافظوا على هذا التراث فهذه مسؤوليتنا جميعا، انها مسؤولية الكنيسة ومسؤولية القيادة السياسية كما انها مسؤولية الافراد، كبارا كانوا ام صغارا من اجل ان يبقى الحضور المسيحي نابضا بالحياة في هذه الأرض المقدسة.
كونوا شهودا للايمان في هذه البقعة المقدسة التي منها انطلقت رسالة الايمان الى مشارق الارض ومغاربها، وكونوا مدافعين حقيقيين عن شعبكم وقضيتكم فهذه القضية هي قضيتنا كما هي قضية كل أبناء الشعب الفلسطيني الواحد .
لا تجعلوا من سياسات الاحتلال ومن التيارات المتطرفة والخطاب الاقصائي الذي نسمعه في بعض الأحيان، لا تجعلوا من هذا سببا يدخلكم الى أزمة وحالة من التوتر والخوف لأن حالة من هذا النوع هي التي تؤدي الى الهجرة والى الرحيل .
كونوا أقوى من الاحتلال ومن أبواقه ومن الطابور الخامس ومن أصوات التطرف والتخلف أيا كان شكلها وأيا كان لونها، لا تضعفوا أمام هذه المظاهر كونوا أقوياء لان ايماننا يعلمنا ان نكون اقوياء في الشدائد والآلام والاحزان والظروف الصعبة .
لا تكونوا مسيحيين بالاسم وما اكثر اولئك الذين يقولون انهم مسيحيون، ولكنهم لم يأخذوا شيئا من المسيحية سوى الشعارات يلبسون صليبا وبعضهم يضع وشما، ولكنهم مع اي ظاهرة سلبية نراهم يخافون ويترددون ويفكرون بالرحيل والهجرة .
أين أنتم من الصليب الذي يعلمنا المحبة والتضحية والفداء؟ أين أنتم من المسيحية الحقة التي تعلمنا الصمود والبقاء والثبات رغما عن كل الظروف الصعبة التي نعيشها ونلمس وجودها .
وقد يقول قائل بأن هذا المطران يتحدث وكأنه يعيش في كوكب اخر ولا يرى ما يعيشه شبابنا وابناؤنا، وجوابي على ذلك بأنه ما تعيشونه وتسمعونه وترونه نعيشه ونراه أكثر منكم وندركه ونعرفه أكثر من أي واحد منكم، ولكننا نؤمن ونعتقد بأنه أن تكون مسيحيا هذا يعني انك يجب ان تكون ثابتا في ايمانك وحضورك وفي شهادتك للمسيح والكنيسة.
كلماتي هذه ليست شعارات رنانة كما يحلو للبعض أن يصفها في بعض الأحيان، بل هذا هو ايماننا وهذه هي قيمنا وهذه هي الرسالة التي يجب ان ننادي بها.
كونوا مسيحيين حقيقيين وليس مسيحيين سطحيين موسميين تتذكرون انكم مسيحيين فقط في الأعياد والمواسم، كونوا مسيحيين متحلين بقيم الايمان، والصليب مزروعا في قلوبكم وليس فقط معلقا في أعناقكم، وأحبوا وطنكم وهو وطن الميلاد والقيامة والتجسد والفداء ومهما علت أصوات التحريض والعنصرية والكراهية والتطرف، لا يجوز ان يجعلنا هذا ننحرف ونترك المبادىء التي يجب ان نتمسك وان ننادي بها .
لا تجعلوا أحدا يؤثر عليكم ويجعل بوصلتكم تنحرف، كونوا أقوياء متحلين بايمان قوي ومحبة لا حدود لها، ومن يتطاولون ويحرضون ويسيئون ندعو لهم بالهداية لكي يعودوا الى انسانيتهم والى رشدهم .
نسأل الله بأن يحفظكم وان يحفظ من بقي من مسيحيين في هذه الديار، مع تمنياتي لكل واحد منكم بأن تكونوا متمسكين بايمانكم وبهويتكم العربية الفلسطينية المشرقية.






