مَن كانَ مِنكُم بِلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر - يوحنا ٨: ١-١١

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

١أَمَّا يسوع فذَهَبَ إِلى جَبَلِ الزَّيتون. ٢وعادَ عِندَ الفَجرِ إِلى الهَيكَل، فأَقبَلَ الشَّعْبُ كُلُّه. فجلَسَ وجَعلَ يُعَلِّمُهم. ٣فأَتاهُ الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ بِامرَأَةٍ أُخِذَت في زِنًى. فأَقاموها في وسَطِ الحَلقَةِ ٤وقالوا له: «يا مُعَلِّم، إِنَّ هٰذِه المَرأَةَ أُخِذَت في الزِّنى المَشْهود. ٥وقد أَوصانا مُوسى في الشَّريعَةِ بِرَجْمِ أَمثالِها، فأَنتَ ماذا تقول؟» ٦وإِنَّما قالوا ذٰلكَ لِيُحرِجوهُ فيَجِدوا ما يَشْكونَه بِه. فانحَنى يسوعُ يَخُطُّ بإِصبَعِه في الأَرض. ٧فلَمَّا أَلحُّوا علَيه في السُّؤال انتَصَبَ وقالَ لَهم: «مَن كانَ مِنكُم بِلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر!» ٨ثُمَّ انحَنى ثانِيَةً يَخُطُّ في الأَرض. ٩فلَمَّا سَمِعوا هٰذا الكَلام، انصَرَفوا واحِدًا بَعدَ واحِد يَتَقَدَّمُهم كِبارُهم سِنًّا. وبَقِيَ يسوعُ وَحدَهُ والمَرأَةُ في وَسَطِ الحَلْقَة. ١٠فانتَصَبَ يسوعُ وقالَ لَها: «أَينَ هُم، أَيَّتُها المَرأَة؟ أَلَم يَحكُمْ عَليكِ أَحَد؟» ١١فقالت: «لا، يا ربّ». فقالَ لها يسوع: «وأَنا لا أَحكُمُ علَيكِ. اذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئَة».

مَن كانَ مِنكُم بِلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر - يوحنا ٨: ١-١١

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"استَيْقِظْ وقُمْ لِحَقِّي، لِقَضِيَّتي، يا إِلٰهي وسَيِّدي" (مزمور ٣٥: ٢٣). ارحمنا، يا رب. الموت يحيط بنا.  الأشرار يسحقون البشرية بحربهم الكبرى. كل صلاحك الذي وضعته فيهم حوَّلوه إلى مقدرة للدمار والموت. قم، يا رب، ودِنْ الأرض، واحكم على المتمردين الذين يرضيهم دمار غيرهم وموتهم. خلِّصْ، يا رب، عبيدك. واحمِ كل مظلوم في هذه الحرب. أخرج الكبار الأشرار من ظلماتهم، ومن حروبهم. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

يوحنا ٨: ١-١١ يسوع يغفر للمرأة الخاطئة.

في هذه الآيات الإنجيلية امرأة اتهمها رؤساء الشريعة ودفعوها أمام يسوع ليحكم عليها. ليس للمرأة اسم ولا هوية، ولا صوت ولا من يدافع عنها. هي فقط خاطئة. يحيط بها "رؤساء" الشريعة الذين يعدُّون أنفسهم أطهارًا، يريدون أن يحرجوا يسوع. وفي وسط الجماعة يسوع واقف ينظر صامتًا.

صَمتُ يسوع يعني أكثر من كلمة. يسوع لا يحكم على أحد. ولا يقع في الشَّرَك الذي قدمه له الرؤساء. بل تركهم وشأنهم، وشرهم. وأكب على الأرض يخط في التراب. كأنه يذكِّر كل واحد من هؤلاء بأصلهم، بأصل كل إنسان مجبول من التراب، بمن فيهم هؤلاء الرؤساء متهمو المرأة والذين حكموا عليها مسبقًا بحسب شريعتهم، لا شريعة الله. صمت يسوع مهلة بين رحمة الله وبين شكوى الناس.

يسوع لا يتهم الخاطئ بل يرحمه. جاء يبحث عن الخاطئ لا ليحكم عليه، بل ليرحمه. يبحث عن المشتكين والمتهمين أنفسهم، لو أرادوا أن يسمعوا وأن يروا. حضروا أمام يسوع لا ليتوبوا. قال لهم يسوع، هم الكبار والرؤساء والحاكمون بحسب الشريعة: "«مَن كانَ مِنكُم بِلا خَطيئة، فلْيَكُنْ أَوَّلَ مَن يَرميها بِحَجَر!» (٧). لم يقل يسوع إنها ليست خاطئة، لكنه يعيد الرؤساء الحكام إلى خطيئة في أنفسهم، حتى يروا حقيقة أنفسهم، الخطيئة فيها، أولا قبل أن يروها في غيرهم ويحكموا عليهم. يقول الإنجيل: " فلَمَّا سَمِعوا هٰذا الكَلام، انصَرَفوا واحِدًا بَعدَ واحِد يَتَقَدَّمُهم كِبارُهم سِنًّا. وبَقِيَ يسوعُ وَحدَهُ والمَرأَةُ في وَسَطِ الحَلْقَة" (٩). "يتقدمهم كبارُهم سِنًّا"، لعلهم بالسِّنِّ أقرب من غيرهم إلى الفطنة ويرون الخطيئة في أنفسهم.

وبقي يسوع وحده مع المرأة الخاطئة. وقفة، "وجهًا لوجه أمام خالقنا"، لنقف هذه الوقفة وأمام الله لننظر إلى حقيقة أنفسنا. يسوع سأل المرأة: ألم يحكم عليه أحد. قالت: لا، يا رب. "فقالَ لها يسوع: «وأَنا لا أَحكُمُ علَيكِ. اذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئَة" (٩).

ونحن إذا وقفنا أمام الله خالقنا وأبونا، ماذا يقول لنا؟ ونحن ماذا نقول؟ الله يرحمنا. إن اعترفنا بما في نفوسنا، وطلبنا الرحمة.

الفقير المسكين الخاطئ، هذه المرأة الخاطئة تقف كلها بكل ما فيها أمام ربها، خاطئة تطلب الرحمة، والله يغفر. يسوع لم يحكم عليها. ولم ينكر خطيئتها، رأى خطيئتها، ورحمها وغفر لها. رأى المرأة ورأى الإنسان فيها فعفا عن خطيئتها. قال لها: ولا أنا أحكم عليك، أنت لست فقط خاطئة، انت أكبر من خطيئتك، لهذا أنا أغفر لك. ولا تعودي إلى الخطيئة. بل ابدئي حياة جديدة.

مغفرة الله تنهضنا من عثرتنا، وتحررنا منها، وتضعنا في حاضر جديد ينظر إلى مستقبل جديد. الله يرى خطيئتنا، لكنه يتجاوزها برحمته الكبيرة. وبالمغفرة يمنحنا المقدرة لنجدد أنفسنا.

قد نكون في حياتنا أحيانًا مثل "الرؤساء" نتهم نحن أيضًا ونشكو غيرنا، وننسى أننا نحن أنفسنا بحاجة إلى المغفرة.

هذه الآيات تعلمنا أن ننظر بنظر المسيح. نظرة ترى الخطيئة ولا تحتقر الإنسان. بل تدعو إلى الإصلاح والتوبة. وتدعو إلى رؤية الله واستعادة كرامتنا أمامه.

لنطلب المغفرة لأنفسنا، ولنقتد بالله خالقنا وأبينا فنغفر لقريبنا، وبذلك نقترب من محبة الله لنا ولإخوتنا.

ربي يسوع المسيح، كما غفرت للمرأة الخاطئة، اغفر لي. وأعطني القوة والنور لكي أغفر لغيري. أنت وحدك الديان وأنت أبونا جميعًا. زدني إيمانًا لأبقى في رحمتك ومغفرتك، وأغفر أنا أيضًا دائمًا لكل إخوتي وأخواتي. آمين.

الاثنين ٢٣/٣/٢٠٢٦                         بعد الأحد الخامس من الصوم