النبي إيليا، النبي القوي، ضعف وخاف – 1 ملوك ١٩: ١-١٤
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"ثُمَّ تَقَدَّمَ فِي البَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَومٍ، حَتَّى جَاءَ وَجَلَسَ تَحتَ رَتَمَةٍ، وَالتَمَسَ المــَوتَ لِنَفسِهِ وَقَالَ: حَسبِي الآنَ، يَا رَبّ، فَخُذْ نَفسِي، فَإِنِّي لَسْتُ خَيرًا مِن آبَائِي. ثُمَّ اضَّجَعَ وَنَامَ تَحتَ الرَّتَمَةِ. فَإِذَا بِمــَلَاكٍ قَد لَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: قُمْ فَكُلْ" (٤-٥).
١. وأخبر أحآب إيزابَل بكل ما صنعه إيليا، كيف قتل جميع الأنبياء بالسيف.
٢. فأرسلت إيزابل رسولًا إلى إيليا وقالت: كذا تفعل الآلهة بي وكذا تزيد، ان لم أجعَلْ نفسك في مثل الساعة من غد كنفس واحد منهم.
٣. فخاف وقام ومضى لإنقاذ نفسه، ووصل إلى بئر سبع التي ليهوذا وترك خادمه هناك.
٤. ثم تقدم في البرية مسيرة يوم، حتى جاء وجلس تحت رتمة، والتمس الموت لنفسه وقال: حسبي الآن يا رب، فخُذْ نفسي، فإني لست خيرًا من آبائي.
٥. ثم اضجع ونام تحت الرتمة. فإذا بملاك قد لمسه وقال له: قُمْ فكُلْ.
٦. فنظر فإذا عند رأسه رغيف مخبوز على الجمر وجرة ماء. فأكل وشرب، ثم عاد واضجع.
٧. فعاوده ملاك الرب ثانية ولمسه وقال: قم فكل، فان الطريق بعيدة أمامك.
٨. فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين يوما وأربعين ليلة إلى جبل الله حوريب.
٩. ودخل المغارة هناك وبات فيها. فإذا بكلام الرب إليه يقول: ما بالك ههنا يا إيليا؟
١٠. فقال: اني غرت غيرة للرب، إله القوات، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك وحطَّموا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف، وبقيت أنا وحدي، وقد طلبوا نفسي ليأخذوها.
١١. فقال الرب: اخرُجْ وقِفْ على الجبل أمام الرب. فإذا الرب عابر وريح عظيمة وشديدة تصدغ الجبال وتحطم الصخور أمام الرب. ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزال، ولم يكن الرب في الزلزال.
١٢. وبعد الزلزال نار، ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت نسيم لطيف
١٣. فلما سمع إيليا، ستر وجهه بردائه وخرج ووقف بمدخل المغارة. فإذا بصوت إليه يقول: ما بالك ههنا يا إيليا؟
١٤. فقال: إني غرت غيرة للرب، إله القوات، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، وقوضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف، وبقيت أنا وحدي، وقد طلبوا نفسي ليأخذوها.
١٥. فقال له الرب: إمض فأرجع في طريقك نحو برية دمشق. فإذا وصلت، فامسح حزاثيل ملكا على أرام.
١٦. وامسح ياهو بن نمشي ملكا على إسرائيل، وامسح أليشاع بن شافاط من آبل محولة نبيا مكانك.
"ثُمَّ تَقَدَّمَ فِي البَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَومٍ، حَتَّى جَاءَ وَجَلَسَ تَحتَ رَتَمَةٍ، وَالتَمَسَ المــَوتَ لِنَفسِهِ وَقَالَ: حَسبِي الآنَ، يَا رَبّ، فَخُذْ نَفسِي، فَإِنِّي لَسْتُ خَيرًا مِن آبَائِي. ثُمَّ اضَّجَعَ وَنَامَ تَحتَ الرَّتَمَةِ. فَإِذَا بِمــَلَاكٍ قَد لَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: قُمْ فَكُلْ" (٤-٥).
اليوم، في كنيسة القدس، نحتفل بعيد القديس إيليا النبي. قبل التأمل، اقرأ النصَّ أعلاه من الكتاب المقدس.
إيليا النبي نمثِّلُه دائمًا حاملًا السيف، لأنه هزم الكهنة الوثنيين على جبل الكرمل، وأمر بذبحهم جميعًا، الأربعمئة. هذه صورة قداسة الله في العهد القديم، القضاء بالسيف وبالحرب، على كل شكل من أشكال الوثنية. يجب أن ننتظر قرونًا حتى يأتي يسوع المسيح ليعرَّفنا بالآب، وليقول لنا إنه يطلع شمسه ويرسل مطره إلى الأبرار والأشرار. ففي الدين، لا سيف بعد الآن ولا قتال، بل للمحبة فقط ولجميع الناس. والحروب الدينية التي وقعت في التاريخ، باسم الدين، هي حروب الناس، وليست حروب الله.
في قراءة اليوم، النبي القوي، صاحب السيف، الذي قاوم ملوك إسرائيل، نجده هاربًا من الناس، خائفًا من الملكة إيزابل التي هدَّدَتْه. هرب فسار في الصحراء حتى نفذت قواه، واستلقى تحت رتمة، وطلب لنفسه الموت: َ"التَمَسَ المــَوتَ لِنَفسِهِ وَقَالَ: حَسبِي الآنَ، يَا رَبّ، فَخُذْ نَفسِي، فَإِنِّي لَسْتُ خَيرًا مِن آبَائِي".
لكن الله اختاره ليكون نبيًّا له، وسيكون نبيًّا حتى النهاية. وقوَّاه الله بخبز أرسله له مع ملاك، مرة أولى وثانية: "فَعَاوَدَهُ مَلَاكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً وَلَمَسَهُ وَقَالَ: قُمْ فَكُلْ، فَإنَّ الطَّرِيقَ بَعِيدَةٌ أَمَامَكَ" (٧). فقام إيليا واسترجع قواه، وتابع سيره حيث يقوده الله، في الصحراء القاحلة، وفي قلبه الخوف من الناس. أمره الله بمتابعة السير، لم يرسله ليذبح كهنة الأوثان، بل ليرى الله، ويجدد قوته بهذه الرؤية، لا بسيفه.
وقال الله له: "اخرُجْ وَقِفْ عَلَى الجَبَلِ أَمَامَ الرَّبّ. فَإِذَا الرَّبُّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ تُصَدِّغُ الِجبَالَ، وَتُحَطِّمُ الصُّخُورَ أمَامَ الرَّبِّ. وَلَم يَكُنْ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ. وَبعدَ الرِّيحِ زِلزَالٌ، وَلَم يَكُنْ الرَّبُّ فِي الزِّلزَالِ. وَبَعدَ الزِّلزَالِ نَارٌ، وَلَم يِكُنْ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبعدَ النَّارِ صَوتُ نَسِيمٍ لَطِيفٍ. فَلَمَّا سَمِعَ إيلِيَّا، سَتَرَ وَجهَهُ بِرِدَائِهِ، وَخَرَجَ وَوَقَفَ بمــَدخَلِ المــَغَارَةِ. فَإذَا بِصَوتٍ إلَيهِ يَقُولُ: مَا بَالُكَ هَهُنَا، يَا إيلِيَّا؟" (١١-١٣).
الله ليس في الضجيج، ولا في الزلزال، ولا في العاصفة. وليس الله في ذبح كهنة الأوثان. بل في النسيم اللطيف، مثل لطف المحبة. ومثل إلهك، يا إيليا، يجب أن تصير. والآن جدِّدْ قواك، وارجع إلى حيث خفت وهربت. لك هناك بعد رسالة. لا تَخَفْ الناس. أنا الرب إلهك.
النبي إيليا، النبي القوي، ضعف وخاف. لكنه استرجع قوته بقوة الله. إنه دائمًا النبي القوي، يحمل سيفه. لكن لا ليذبح أحدًا، ولا يعتمد على عدده وعلى وسائل قتال بشرية... سيفه رمز لقوة النفس، لقوة المؤمن الذي لا يخاف من يقتلون الجسد، وبل يخاف الله وحده، وله يسمع وبه يهتدي. ويحمل رسالته، قويًّا بقوة الله الذي يحِبُّ كل خلقه، ويطلع شمسه ويرسل مطره إلى الأبرار والأشرار.
لنتعلم من إيليا النبي أن نبقى أقوياء في حمل رسالتنا، وعندما يغلبنا التعب، لسبب أو آخر، لننظُرْ إلى إيليا النبي، ولننظُرْ إلى الله أبينا، الذي يرسلنا من جديد في رسالتنا، لا بقوة عددنا، بل بقوة روحه ومحبته.
ربي يسوع المسيح، أعطني القوة اللازمة لأحمل رسالتي، ولأكون مثلك، صالحًا بصلاحك، وقويًّا بقوتك. آمين.
الخميس ٢٠/٧/٢٠٢٣ الأسبوع ١٥ من السنة/أ





