مِن دُروس الغربة (1-2)
الكاتب : ب. سليم زاروبي - الناصرة
القيامة- بروفيسور سليم زاروبي، وباحث ومحاضر فلسطيني، متخصص في مجال فيزياء الكون. تتمحور أبحاثه حول تكوّن وتطوّر البنية المعقدة في الكون منذ نشأته وحتى الآن. مؤلف كتاب "في البدء: فيزياء، فلسفة وتاريخ علم الكون".
تركتُ مكتبي في ساعات الأصيل وبدأت بالسير مارًّا بأشجار الكستناء التي تغطي المنطقة المرتفعة وتقع عليها الجامعة التي أعمل بها. كنت أراقب أثناء سيري السناجب وهي تأكل ثمار هذه الأشجار الباسقة وتقفز بينها متجاهلةً وجودي بشكل تام. خرجتُ من بين الأشجار لأصل إلى الشارع العام المؤدّي إلى الحي الذي أسكن فيه، والذي ينحدر بشكلٍ قوي في البداية ومن ثم يستوي على مهل حتى يصل السهل الذي يقع عليه بيتي، كنت استأجرته قبل عدة أسابيع. بعد أن وصلت الشارع العام، امتدّ نظري في اتجاه الشمس داكنة الاحمرار وقد غابت معظمها غارقةً في مياه المحيط الهادئ، ترافقها كوكبة من الغيوم الصغيرة الحمراء كأنها فرقة من حرس الشرف التي جاءت لتودّع نهارًا آخر.
أكملت سيري نحو البيت ومن حولي هذا المشهد السحري الذي يليق بِساكني جبل الأوليمبوس، وأخذت أنزل نحو السهل رويدًا رويدًا والشمس أمامي تغيب ببطء، حتى اختفت تمامًا حين أصبح الطريق سهليّ، وحلّ محل المشهد السحري ظُلمة الليل التي نزلت بسوادها على البيوت المتواضعة التي كانت في طريقي، فتخضّبت بها لتحوّل ألوانها الجميلة إلى ظلالٍ رماديةٍ كئيبةٍ.
نقلني هذا التحول الذي جرى حولي من متعة الشعور الجميل الذي ابتدأت به سيري نحو البيت، إلى الإحساس بحصارٍ داخلي فرضته عليّ العتمة التي انسدلت من حيث لا أدري، وشعرت فجأةً بانقباضٍ شديدٍ في صدري وحلّ بي شعورًا قوي من الوحدة؛ فقد أنزلتني هذه الظلماء من علياء النشوة المسحورة الذي أضْفاها عليّ المنظر الخلاب إلى قسوة واقعي الذي صدمني لأول مرة منذ وصولي إلى هنا، فقد فهمت فجأةً وبكل إدراكي وحواسي أنّني هنا غريبٌ تمامًا ووحيدٌ كليًّا!
كان هذا في تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994، بعد حوالي شهر من وصولي إلى مدينة بيركلي في كاليفورنيا، حيث كنت قد سافرت إلى هناك مباشرةً بعد انتهائي من كتابة أطروحة الدكتوراه لأشرع في العمل كباحث في جامعتها المعروفة. كانت هذه المرة الأولى في حياتي التي أترك بها بلادي لأعيش في بلد غريب. وصلت إلى هناك وأنا متلهّف لبدء العمل على المشاريع العلميّة المختلفة التي سأنجزها هناك مع مضيفيّ الذين كانا من أهم العلماء في مجالي، والّذين كنت أحلم بالعمل معهما، لكنّي لم أفكر مسبقًا بحجم التغيير الكبير الذي سيطرأ على الجوانب الأخرى من حياتي، والذي تجلّى لي بكل حدّته في تلك اللحظة “الوجوديّة” التي داهمتني من دون ميعاد.
ما زلت أذكر تفاصيل تلك اللحظة ووقعها عليّ بوضوحٍ تام، فقد شعرت خلالها وكأنّني فقدت حواسي بشكلٍ كليّ، وانفصلت عمّا يدور حولي وترك عقلي وإدراكي جسدي. فأصبحت مثل الرَجُل العائم الذي تخيّله ابن سينا، معلّقًا في الفضاء بحيث لا تستطيع حواسه أن تشعر بأي جزءٍ من جسمه، ليتساءل عندها فيلسوفنا الكبير هل يعرف هذا الرجل المعلّق عن وجود ذاته؟ لكن لم يكن ما طرحته هذه اللحظة أمامي تساؤلًا عن الذات الفلسفية المجرّدة والعامّة التي قصدها ابن سينا بل عن الذات الخاصة، الشخصيِّة والعينيّة التي يتفرّد بها وجودي كشخص جاء في وقتٍ معين ومكانٍ محدد وفي سياق تاريخيّ واجتماعي خاص.
حتى أوضّح أكثر خصوصية هذه الأزمة الوجوديّة التي اعترتني، سأستعين بِالفيلسوف الانجليزي جون لوك الذي استعمل الذاكرة كمعيار أساسي في عملية تشكل الهوية الشخصية. حيث ادّعى لوك أنّ ما يميز إنسانًا معينًا عن الآخر هو وعيه لحالته الحاضرة، وذاكرته التي تربط حالاته الماضية بها؛ أي أن الهويّة الشخصيّة للإنسان حسب جون لوك، هي استمرارية الذاكرة التي تربط ماضيه بحاضره والتي تعدّه للتعامل مع ما قد يأتي به المستقبل. طبعًا لم تأتِ هذه الأزمة نتيجة شرخ في استمرارية ذاكرتي لكنّها أتت نتيجة شرخ في استمرارية المحيط الاجتماعي والثقافي والسياسي، وبالتالي في السياق الذي تكونت به ذاتي الشخصية واكتسبت مضمونها، واعتادت التفاعل معه. كانت هذه اللحظة هي التي أدركت بها عمقَ الشرخ الكبير في سياق وجودي، ليس فقط من ناحية ذهنية وفكرية بل وهي الأهم من ناحية نفسية وعاطفية، وأدركت بها أنني أمام تحدٍ كبيرٍ جدًا، عليّ أن أتعامل معه ومع إسقاطاته، والذي أدّى على مدار سنوات إلى تغيير جذري في فهمي لذاتي وعلاقتي مع محيطي، وما زال يضع أمامي التحديات حتى يومي هذا.
عليّ التنويه في هذه المرحلة، أنّ هدفي من كتابة هذا المقال هو التحدث عن تجربتي الشخصية في الغربة، وما هي الأسئلة والتحديات التي وضَعَتَها أمامي، وكيف تعاملت معها. قد تكون هذه التجربة كونها شخصيّة غير مثيرة للاهتمام بالنسبة للقارئ، لكن الجدوى من عرضها استخلاص الخصائص العامّة التي قد تُلقي بعض الضوء على تجربة الاغتراب كحالة اجتماعية ونفسيّة كما عشتها، وإلى حدٍ كبير ما زلت أعيشها، وعمّا نتعلم منها بشكلٍ عام عن ذاتنا، ومحيطنا الاجتماعي وموقعنا فيه.


من الناصرة إلى بيركلي، كاليفورنيا:
إحدى الصفات المميزة للفلسطينيين هو ارتباطهم المحدّد بالمدينة أو القرية التي نشأوا بها، أو أتى آباؤهم أو أجدادهم منها حتى لو تركوها لسنواتٍ عديدة. وأنا كغيري من أبناء شعبي أرتبط ارتباطًا قويًّا بالمدينة التي وُلِدت وترعرعت بها الناصرة، حيث تمتد جذور عائلتَيّ والدي ووالدتي فيها إلى ما يقارب الثلاثة قرون، حتى أنّ اسم عائلتي أتى من اسم أحد أحيائها القديمة. وكبرت على قصص الناصرة وتراثها ونسيجها البشري الخاص. فإضافةً إلى مكانتها الدينية في المسيحيّة، هي البلدة التي أحبها ظاهر العمر، وترعرعت بها مي زيادة، وتعلّم في إحدى مدارسها ميخائيل نعيمة، وأنجبت الشاعر والقائد السياسي توفيق زياد، والكثيرين غيرهم من الشخصيات الفذّة والمميزة. فقد كان الجو السائد في الناصرة أكبر مدينة فلسطينية في الداخل وما زال جوّا عربيّا بامتياز، حيث لا يختلط أو يتعامل فيه سكانها مع المجتمع الإسرائيلي إلا من خلال العمل أو الدراسة الجامعية؛ أي أنّ التعامل مع المجتمع الاسرائيلي لدى أغلب مواطنيها لا يبدأ بشكلٍ حقيقي إلّا بعد إنهاء المرحلة الثانوية، أي بعد تبلور أهم ملامح هويتهم الشخصية.
إضافةً إلى ذلك، كانت الحقبة التي ترعرعت بها وتبلورت فيها شخصيّتي خاصةً في سبعينيات القرن الماضي حقبةً خاصةً ومليئةً بالأحداث في تاريخ المدينة، ميّزتها هبّة وطنية عميقة للأقلية الفلسطينيّة في الداخل، كان أوجّها في يوم الأرض. دفعتني هذه الأحداث والروح القومية التي رافقتها مثل الكثيرين من أبناء جيلي إلى النشاط الاجتماعي والسياسي وأنا في ريعان شبابي، ممّا عمّق انتمائي إلى مجتمعي وشعبي وارتباطي بهما.
تركت الناصرة لأوّل مرة عندما كنت ثمانية عشرة عامًا لأسكن في حيفا، ومن ثم القدس، حيث تواجدت المعاهد العليا التي تعلّمت بها. لكن على الرغم من التحديات التي واجهتها في مرحلة تعليمي، كالعيش لوحدي لأول مرة، أو اضطراري أن أتعلّم العبرية على مستوى عالٍ لأنها كانت لغة الدراسة في المعاهد العليا، أو التعامل لأول مرة بشكلٍ مكثّف مع المجتمع اليهودي، أو الوصول للاكتفاء الاقتصادي حتى أموّل تعليمي ومعيشتي بأسرع طريقة ممكنة (بدأت بتعليم الفيزياء في إحدى المدارس وأنا ما زلت في العشرين من عمري) وما إلى ذلك، إلّا أنّ الانتقال إلى حيفا مثلًا لم يُفْقِدني السّياق الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي ترعرعت عليه، بل بالعكس فقد أدّى تفاعلي مع زملاء الدراسة الفلسطينيين والذين أتوا من شتّى القرى والمدن العربية إلى تعميق انتمائي إلى مجتمعي وشعبي، وتعزيز السياق التاريخي والثقافي لذاتي، وتوسيع “رقعته”، إن صح التعبير.
لكن تجربة الاغتراب إلى بلد أجنبي كان تجربة مختلفة تمامًا، إذ لم أكن مستعدًا للصعاب التي واجهتني بها، وكان عليّ الغوص عميقًا في داخلي لأجد القِوى التي مكنتني من التعامل معها، لكنّها أتاحت لي أيضًا فرصًا كثيرةً للتطوّر والنموّ الشخصي والفكري. كذلك الأمر علّمتني الكثير عن نفسي وعن علاقتي بالناس والمجتمع. فكم بالحري أن تجربتي مع الغربة امتدت على أكثر من عقدين من الزمن عشت خلالها في ثلاث دول مختلفة، بمفردي أولًا في أمريكا، ومن ثم مع زوجتي وابنتي في ألمانيا وهولندا.
المفارقة الكبيرة أن هذه الأزمة الوجودية، اعترتني في لحظة كان عليّ أن أكون فخورًا بالإنجاز الشخصيّ الكبير الذي وصلته، فأنا في النهاية، شخص وُلٍدَ لعائلة صغيرة ومتواضعة ماديًّا، لأمٍّ وأبٍ لم يتعدَّ تعليمهما المرحلة الإعدادية، وتربّى في حي صغير في مدينة لا يتعدّى سكانها في حينه أكثر من ستين ألف نسمة (عام 1982)، والتي على الرغم من مكانتها الدينية لدى المسيحيين وكونها عاصمة الجماهير الفلسطينية في الداخل، ألا إنّها لا تحمل أهمية دولية من نواحٍ سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو حتى تاريخية (باستثناء حدث تاريخي واحد حصل قبل أكثر من ألفي عام). بمعنى أن وصولي إلى أحد الصروح الفكرية المركزية والرائدة في زمننا في العالم، لأعمل مع أفضل العلماء في مجالي، هو إنجاز لا يُستهان به.
فيما يلي سأعرض باقتضاب بعض أهم الدروس التي تعلّمتها من تجربة الاغتراب الطويل الذي عشته، وبمفهوم معين ما زلت أعيشه. أقول بعض الدروس لسببين: الأوّل أنها كثيرة بحيث لا تتسع مساحة هذا المداخلة لعرضها كلها، لهذا حاولت التركيز على الدروس التي ارتأيت أنّها أهم وأعمق من غيرها. والسبب الثاني هو أنّ بعض هذه الدروس ولربما أهمّها لا أعي لها ولم أدركها بعد، بل تعلمتها بشكل غير واعٍ، انحفرت في كياني وشخصيتي من حيث لا أدري.
(يتبع)
الصور بلطف من صفحة البروفسور سليم زاروبي





