ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَرى مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ - يوحنا ٣: ١-٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

١وكانَ في الفِرِّيسيِّينَ رَجُلٌ اسمُه نيقوديمُس، وكانَ مِن رُؤَساءِ اليَهود. ٢فجاءَ إِلى يَسوعَ ليلًا وقالَ له: «رابِّي، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّمًا، فما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَأتِيَ بِتِلكَ الآياتِ الَّتي تَأتي بِها أَنتَ إِلَّا إِذا كانَ اللهُ معَه». ٣فأَجابَه يسوع: الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَرى مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ. ٤قالَ لهُ نيقوديمُس: «كَيفَ يُمكِنُ الإِنسانَ أَن يُولَدَ وهوَ شَيخٌ كَبير؟ أَيَستَطيعُ أَن يَعودَ إِلى بَطنِ أُمِّهِ ويُولَد؟» ٥أَجابَ يسوع: الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَدخُلَ مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح. ٦فَمَولودُ الجَسَدِ يَكونُ جَسدًا، ومَولودُ الرُّوحِ يَكونُ روحًا. ٧لا تَعْجَبْ مِن قَولي لَكَ: يَجِبُ علَيكم أَن تُولَدوا مِن عَلُ. ٨فالرِّيحُ تَهُبُّ حَيثُ تَشاء، فتَسمَعُ صَوتَها، ولكنَّكَ لا تَدْري مِن أَينَ تَأتي وإِلى أَينَ تَذهَب. تِلكَ حالَةُ كُلِّ مَولودٍ لِلرُّوح.

ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَرى مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ - يوحنا ٣: ١-٨

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"أَقولُ للهِ صَخرَتي: «لِمَاذا نَسيتَني، ولِمَاذا أَسيرُ بالحِدادِ مِن مُضايَقَةِ العَدُوّ؟" (مزمور ٤٢: ١٠). ارحمنا، يا رب. الحرب تتجدد يا رب، وفي لبنان أخذت تدمِّر كثيرًا. وازداد عدد القتلى. لماذا نبذتنا يا رب؟ اليوم عيد أيضًا. لكننا في حداد وعذاب. لا تتركنا يا رب إلى أهل الموت يُذِلُون ويقتلون؟ لا تتركنا وحدنا؟ أنت إلهنا وخالقنا، أنت مخلصنا. تعال، يا رب، ولا تتأخر. أسرع إلى إغاثتنا. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

"وكانَ في الفِرِّيسيِّينَ رَجُلٌ اسمُه نيقوديمُس، وكانَ مِن رُؤَساءِ اليَهود. ٢فجاءَ إِلى يَسوعَ ليلًا وقالَ له: «رابِّي، نَحنُ نَعلَمُ أَنَّكَ جِئتَ مِن لَدُنِ اللهِ مُعَلِّمًا، فما مِن أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَأتِيَ بِتِلكَ الآياتِ الَّتي تَأتي بِها أَنتَ إِلَّا إِذا كانَ اللهُ معَه». ٣فأَجابَه يسوع: الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَرى مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ" (١-٣).

لقاء في الليل، رمز الظلام، والتردد في البحث. لكنه أيضًا رمز لقلب إنسان يبحث. نيقوديموس من الرؤساء وأهل العلم، وهو رجل صادق لم يأت ليخاصم يسوع أو يأخذ عليه مأخذًا، بل جاء صادقًا. بعد ما سمع ورأى من يسوع آمن أنه آتٍ من عند الله. وجاء إليه يريد أن يزداد علمًا. إيمانه ضعيف. ما زال مترددًا وخائفًا. لذلك جاء في الليل حتى لا يراه المخاصمون.

استقبله يسوع برحمة، وأدخله في قلب الحقيقة. قال له: " لا أحد يخلص " إِلَّا إِذا وُلِدَ مِن عَلُ". فهم نيقوديمس كلام يسوع بالمعنى الحرفي، فلم يفهم. هكذا ينغلق الإنسان مرارًا في مفهومه الأرضي، ولا يقدر أن يرى ويسمع كلام الله.

فسَّر له يسوع هذه العبارة، الولادة من عل، أعني لا يولد الإنسان بجهوده فقط، وبحسب مقايس أهل الأرض، وبحسب إعجابهم أو رفضهم. الإيمان عطية من الله، وتسمو بالإنسان فوق الأرض وفوق نفسه وما تعوَّد عليه. يجب أن يتبدَّل، ويرتفع إلى علُ حتى يجد الخلاص.

قال له يسوع:  "الحَقَّ الحَقَّ أَقولُ لَكَ: ما مِن أَحَدٍ يُمكِنُه أَن يَدخُلَ مَلَكوتَ الله إِلَّا إِذا وُلِدَ مِنَ الماءِ والرُّوح. ٦فَمَولودُ الجَسَدِ يَكونُ جَسدًا، ومَولودُ الرُّوحِ يَكونُ روحًا. ٧لا تَعْجَبْ مِن قَولي لَكَ: يَجِبُ علَيكم أَن تُولَدوا مِن عَلُ. ٨فالرِّيحُ تَهُبُّ حَيثُ تَشاء، فتَسمَعُ صَوتَها، ولكنَّكَ لا تَدْري مِن أَينَ تَأتي وإِلى أَينَ تَذهَب. تِلكَ حالَةُ كُلِّ مَولودٍ لِلرُّوح" (٥-٨).

مولود الجسد جسد، مولود في الجسد، وفي شؤون الأرض، ومولود الروح روح، يسمو فوق الجسد ويبلغ سمُوَّ الله، وآفاق الأبدية. مثل الريح تهُبُّ حيث تشاء ولا تدري من أين تأتي. كذلك روح الله تهديك إلى ما أنت غير متعود عليه من مفاهيم. نيقوديمس يريد أن يفهم قبل أن يؤمن، يريد أن يكون الإيمان بالله ثمرة جهده هو. لكن يسوع يقول له: يجب أن يبدل نظرته للأمور: الله هو الذي يهدي، وبحبه يعطي، وليس الإنسان باستحقاقه وقدرته يرى ويوافق. الإيمان أوَّله مغامرة في سر الله العميق، لكن نهايته استقرار وثقة وطمأنينة في الله.

لا نرى بعينينا ولا نسمع بآذاننا، لكن الله يملأ روحنا ويهدينا. ويرشدنا إلى حيث يشاء هو.

لننظر إلى أنفسنا. هل نبحث عن الله؟ هل نبحث عن الروح فينا؟ أم نحن نحصر أنفسنا في الأرض وشؤون الأرض ومفاهيم الأرض. هل نريد فعلا أن ندخل في مفاهيم الله، وأبديته، وفي مجال حبه الذي لا حد له، أم أريد أن أبقى سجين الأرض وحدودها الكثيرة. هل أريد فهمًا جديدًا لكل شيء بحسب روح الله ورؤيته وحبه لي؟ هذا هو السؤال الذي أطرحه على نفسي. أريد أن أرى الله أم أبقى محصورا في رؤية عينيّ وفي مجال جسدي؟

ربي يسوع المسيح، أنت تعلم كل شيء. تعلم ما فيَّ من قبول ورفض. املأني بالقبول، لكلمتك، لإرادتك، بدلني كما تشاء، وارفعني إلى السمو الذي تشاء، وأعطني القوة لكي أحيا حيث تريدني أن أحيا في حبك وفي رؤية شؤون الأرض كلها في نور حبك. آمين.

الاثنين ١٣/٤/٢٠٢٦                                بعد الأحد الثاني للفصح