كرامة الإنسان في عصر الروبوتات والرحم الاصطناعي

القيامة- بعد انتشار خبر حول اختراع تحقق في الصين، انتج من خلاله روبوت يمكنه الحمل والولادة أسوة بالبشر، توجه موقع "القيامة" للأب رودي نورا، كاهن رعية الموارنة في عكا ومن كهنة الأبرشية المارونية، فمتب تعقيبا على الموضوع ننشره فيما يلي.

كرامة الإنسان في عصر الروبوتات والرحم الاصطناعي

في زمن يتسارع فيه التطور العلمي والتكنولوجي بصورة مذهلة، نسمع اليوم عن مشاريع علمية تهدف إلى تطوير رحم اصطناعي داخل روبوت قادر على حمل الجنين وولادته، دون الحاجة إلى جسد الأم. هذه المشاريع، التي يتم تطويرها في بعض المخابر المتقدمة حول العالم، تطرح أسئلة أخلاقية وجودية عميقة، لا يمكن التغاضي عنها.

التقدّم العلمي: نعمة أم خطر؟

لا شكّ أنّ العلم هو هبة من الله للبشرية، وقد حقّق إنجازات عظيمة في خدمة الإنسان، وخصوصًا في المجالات الطبية والبيئية. ولكن، كما يقول البابا يوحنا بولس الثاني في "خطاب إلى ممثلي العلم والثقافة والدراسات العليا بجامعة الأمم المتحدة، هيروشيما" (25 فبراير/شباط 1981):

 "العلم والتكنولوجيا ثمرة رائعة للإبداع البشري، وهبة من الله، إذ أتاحا لنا إمكانياتٍ رائعة نستفيد منها بقلبٍ شاكر. لكننا نعلم أن هذه الإمكانات ليست محايدة: إذ يمكن استخدامها إما لتقدم البشرية أو لتدهورها". (فقرة ٣)

وكما يقول البابا فرنسيس في الرسالة العامة "كن مسبّحًا":

"بيد أننا لا يمكن أن نتجاهل أن الطاقة النووية والتكنولوجيا الحيويّة والمعلوماتيّة ومعرفة الحمض النووي[viii] (DNA) الخاص بنا وإمكانيّات أخرى حققناها، تقدم لنا سُلطَةً مرعبة. بل بالأحرى، تمنح بالأخص لأولئك الذين يملكون المعرفة والسلطة الاقتصادية لاستغلالها، هيمنةً رهيبة على مجمل الجنس البشري وعلى العالم بأسره."  (فقرة ١٠٤).

من هنا، لا بدّ أن يُقيَّم كلّ تطور تكنولوجي في ضوء كرامة الإنسان، هذه القيمة الجوهرية التي تعلو فوق كلّ اعتبار آخر.

ما هي كرامة الإنسان؟

كرامة الإنسان، في الإيمان المسيحي، ليست أمرًا مكتسبًا أو مؤقّتًا، بل هي كرامة ثابتة ومتأصّلة في كل شخص بشري، لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله (تكوين 1، 26). لا يمكن أن تُختزل هذه الكرامة في قدرات الجسد، أو قوة العقل، أو نوعية الأداء الاجتماعي.

تؤكد الكنيسة الكاثوليكية في تعليمها الرسمي " فرح ورجاء، المجمع الفاتيكاني الثاني" أنّ "الشخص الإنساني، بطبيعته نفسها، فيه حاجة ماسة إلى حياةٍ اجتماعيةٍ ومن ثم يجبُ أن يكون قاعدةً لكلّ المنظمات وموضوعها وغايتها". (عدد ٢٥)

الرحم الاصطناعي والحدود الأخلاقية

قد يكون لتقنيات الرحم الاصطناعي دور إنساني في إنقاذ حياة الأجنّة المولودين قبل أوانهم، وهذا يدخل ضمن أخلاقيات العناية الطبية. لكن عندما يتمّ تحويل هذه التقنية إلى وسيلة لصناعة الأطفال خارج العلاقة الزوجية الطبيعية، داخل آلات مبرمجة، تنقلب النعمة إلى خطر.

يُطرح هنا تساؤل خطير: هل لا يزال الإنسان يُولد كعطية، أم أصبح يُنتَج كسلعة؟

خطر تسليع الحياة البشرية

حين يتمّ فصل الولادة عن المحبة، وتُستبدَل الأمومة بجهاز إلكتروني، نكون أمام انقلاب في معنى الحياة نفسها. الطفل لم يعد ثمرة حبّ، بل نتيجة مشروع صناعي.

تُحذّر وثيقة "كرامة الشخص البشري" (Dignitas Personae) الصادرة عن" مجمع العقيدة والإيمان" من هذا التوجّه، حيث لا يجوز أبدًا استخدام الكائن البشري كوسيلة، بل يجب احترامه كغاية بذاته منذ الحبل به.

المستقبل في ميزان الضمير

إنّنا لسنا ضدّ العلم، بل مع علمٍ يحترم الإنسان ويخدمه. لسنا ضدّ التكنولوجيا، بل مع تكنولوجيا تُسهم في صون الحياة، لا في هندستها حسب مقاسات السوق. العالم بحاجة إلى تقدم، نعم، لكنه بحاجة أوّلاً إلى ضمير حيّ، وإلى قيم روحية وأخلاقية تُضيء طريق هذا التقدّم.

قال القديس إيريناوس من ليون "مجد الله هو الإنسان الحيّ"، فلا نسمح بأن يتحوّل هذا المجد إلى رقمٍ في آلة، أو إلى منتج في مختبر.