قراءة في كتاب ‘سميح القاسم شاعر الغضب النبوئيّ‘
الكاتب : د. روز اليوسف شعبان- شاعرة ومربية من طرعان
دراسات وقصائد مختارة - د. نبيل طنوس، مطبعة الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافية للنشر والتوزيع، 2022، لوحة الغلاف للفنان الفلسطيني محمد جولاني.
يتكوّن الكتاب من 190 صفحة من القطع الكبير ويحوي أربعة مقالات وقصائد مختارة للشاعر. المقال الأوّل بعنوان:" ثلاثيّة الانتماء في شعر سميح القاسم"، المقال الثاني:" سيرورة الإبداع في شعر سميح القاسم بعد النكسة"، المقال الثالث: " الألم والأمل وما بينهما عند سميح القاسم، قصيدة" تعالي لنرسم قوس قزح" أنموذجًا.

غلاف الكتاب
يشار أن هذه المقالات الثلاثة المحكمّة نشرت في مجلّة الكرمل. أما مقاله الرابع فقد عالج فيه الأساليب الفنية في قصيدة الانتفاضة" تقدّموا".
في مقاله عن ثلاثيّة الانتماء في شعر القاسم، ذكر د. طنّوس أنّ دوائر الانتماء الثلاث عند القاسم هي: أنا الشاعر والطبيعة، أنا الشاعر والوطن وأنا الشاعر والعالم الواسع.
في الدائرة الأولى يستشهد د. طنّوس بعدّة قصائد ورد فيها ذكر نباتات وأشجار تنتشر في فلسطين ووردت في شعر سميح القاسم، كما يأتي بتعريفات للنباتات والاشجار المذكورة في القصائد، منها مثلا النعناع، الحبق، شقائق النعمان، الورد الجوري، السنديان، الزيتون وغيرها ص 25-26.
في دائرة الشاعر والوطن يأتي د. نبيل بعدّة قصائد ورد فيها ذكر المكان، فيشير إلى كتبه طيب حمايد (2018)، عن المكان في شعر القاسم، حيث يرى أن المكان جزء لا يتجزّأ من تركيبة النصوص الشعريّة لدى سميح القاسم، ليعبّر عن اتّجاهاته لقضيّة الأرض والوطن التي كانت شغله الشاغل. ص 29-30. وقد خلقت القضيّة الفلسطينيّة حالة استثنائيّة للمكان في شعر القاسم وتتجلّى هذه الثنائيّة الاستثنائيّة بثنائيّة ضديّة تجمع بين المكان الذي يعني الدفء والحميمة والأمن والطمأنينة إلى مكان ركام وسجن. ص 30.
في دائرة الشاعر والعالم الواسع نجد في قصائد القاسم أبعادًا إنسانيّة واضحة وفكرًا انسانيًّا، حيث يكتب القاسم عن فيدل كاسترو، جان بول سارتر، نجيب محفوظ، والمناضل العمّالي روبرت غيرارد وغيرهم. ص 35.
المقال الثاني في هذا الكتاب: سيرورة الإبداع في شعر سميح القاسم بعد النكسة: يذكر طنّوس أنّ القاسم عايش أحداث النكسة فكريًّا ووجدانيًّا، فكان الحزن والغضب مصدرًا رئيسًا بإبداعه الشعريّ. فهو حزين وغاضب وثائر، ويبدو هذا في كتبه مثل: "دمّي على كفّي" 1967، دخان البراكين 1968، "ديمومة الشعب الفلسطينيّ" 1969، وقد وجد طنّوس أنّ هناك سيرورة لأفكار وأحاسيس الشاعر المتتالية والمتراكمة نتيجة للأحداث كالتالي: البداية كانت الألم والحزن والغضب، ثمّ عدم الرضا بالذلّ والعار والبعث والنهوض، ثمّ الأمل والصمود والخلود. ص 65.
المقال الثالث بحث فيه طنّوس الألم والأمل وما بينهما عند سميح القاسم قصيدة" تعالي لنرسم معًا قوس قزح" نموذجًا.
وقد وجد طنّوس في دراسته أنّ هذه القصيدة مركزيّة في شعره بعد النكسة/ الهزيمة، كما وجد فيها طرحًا مثيرًا للألم في أعقاب الهزيمة لكنّ الشاعر يطمئننا أنّ الخير قادم، وسوف يأتي لحبيبته بطفلة جميلة وبديوان غزل، كما وجد طنّوس خبرة الشاعر الكبيرة في توظيف الأدوات الفنيّة للشعر واستثمارها في خدمة قصيدته. ص 81.
المقال الرابع: الأساليب الفنيّة في قصيدة الانتفاضة "تقدّموا". يخلص طنّوس أنّ القاسم استخدم في هذه القصيدة عدّة أساليب فنيّة منها: الايقاع، دراميّة القصيدة وإمكانيّة مسرحتها كمسرحية غنائيّة متعدّدة الأدوار والأصوات. كذلك تظهر في القصيدة الأساليب الفنيّة التالية: الاستدارة (أن يفتتح الشاعر القصيدة وينهيها بنفس المقطع)، الثنائيّة الضديّة ( تواجد أمرين أو قضيّتين أو قيمتين في آن واحد، غالبا ما يكونان متعاكسين، مثل: النور والظلام)، التصالب (وهو ترتيب مقلوب للتعابير بين جملتين، أو بين صدر بيت الشعر وعجزه، هذه المقابلة تخلق ضديّة قويّة وكثيفة جدًا مثل: حرامكم محلّلٌ حلالكم محرّمٌ)، التكرار، استخدام الأفعال، الاستعارة والسخرية.

الباحث والناقد د. نبيل طنوس
يخلص د. نبيل طنّوس في كتابه أنّ سميح القاسم كان يسعى دائمًا إلى التعبير عن غضبه بشكل إنسانيّ، مع رؤية قوميّة نابعة من إيمانه بحق الإنسان ليعيش بكرامة، وقد فعل ذلك باستخدامه أساليب فنيّة عديدة ومثيرة.
بعد هذا الاستعراض الموجز لكتاب د. نبيل طنّوس يمكن القول أنّ طنّوس أراد أن يثبت في كتابه هذا ادّعاءه أنّ الشاعر سميح القاسم يعتبر شاعر الغضب والنبوءة في آن واحد. وقد استعان طنّوس في ادّعائه هذا بما وجده في قصائد القاسم التي تبيّن وتثبت ادّعاءه. وقد اعتمد طنّوس في بحثه على منهجيّة التحليل الأسلوبيّ من خلال إبراز الجماليات الفنيّة الأسلوبيّة في مضامين قصائد القاسم وفي لغته الشعريّة التي حوت العديد من الموتيفات والرموز والأساليب البلاغيّة كالاستعارات، التصالب، الضديّة الثنائيّة، التكرار، الطباق، الاستدارة وغيرها...
إنّ اجتماع الثنائيّة الضديّة في شعر القاسم، وتحديدًا الغضب والنبوءة يدلّ على وعيه العميق لقضايا شعبه وقضايا العالم بأسره، فسماته الأمميّة التي اتّسم بها ترى في الإنسانيّة قيمة عليا يجب الحفاظ عليها، بل والنضال من أجلها وإن تطلّب ذلك غضبًا وثورةً. ففي قصيدته "أنا الغضب" يقول القاسم:
" أنا الغضب
حديقتي تمتدّ من سري
إلى أبعد ما في الأرض من أسرار
حديقتي تنهار
لذا فإنّني أجدل الإعصار
وأجدل الرق، وأفعى الجوع والأحزان
أنا نبيّ الموت والثمار
مهذّب الأمطار
مروّض الأنهار
وقاتل الجفاف في مقتله
وصابغ الثياب والعنب
في دمه.
وواهب الحنطة والأزهار
أنا الغضب".
هذه القصيدة الجميلة يستشهد بها د. نبيل طنّوس، وبغيرها من القصائد ليثبت ادّعاءه من أنّ القاسم اجتمعت في شعره هذه الثنائيّة الضديّة من الغضب والنبوءة. وفي قصيدة " تقدّموا " ص 87، نجد صرخة الشاعر وغضبه وبثّه روح الانتماء والتعاون والقوّة بين أبناء شعبه وصموده في وجه الاحتلال وتحدّيًا لجنوده فيقول لهم:
" تقدّموا تقدّموا!
كلّ سماء فوقكم جهنّم وكلّ أرض تحتكم جهنّم
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم.
أمّا قصيدته" عين الصواب" ص 173، فتبدو اتّجاهات القاسم الإنسانيّة جليّة فيها، فهي تزخر بقيم المحبّة والعطاء والتسامح كما نرى في الأبيات التالية:" في الكون متّسع لكلّ الناس والأشياء والأسماء
في الكون متّسع لأهل الكون من صفر إلى بيضٍ ومن حمرٍ إلى سمرٍ وسودٍ
ولديه متّسع لنا العرب، اليهود
ولنا الفرنسيين والألمان والأتراك والاسبان والشيشان...
كلّ التقدير للدكتور نبيل طنّوس على هذه الدراسة التي كشفت لنا جانبًا هامًّا في شعر القاسم وسلّطت الضوء على اجتماع الثنائيّات الضديّة في شعره، واستخدامه لأساليب بلاغيّة وجماليات فنيّة أسلوبيّة جعلت شعره خالدًا مسطّرًا في تاريخ وثقافة شعبنا العريق.

الكاتبة والشاعرة روز شعبان





