عيد جميع القديسين - متى ٥: ١-١٢
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
١فلمَّا رأَى الجُموع، صَعِدَ الجَبَلَ وجَلَسَ، فدَنا إِلَيه تَلاميذُه ٢فشَرَعَ يُعَلِّمُهم قال: ٣ طوبى لِفُقَراءِ الرُّوح فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. ٤طوبى لِلْمَحْزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون. ٥طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يَرِثونَ الأَرض. ٦طوبى لِلْجِياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ، فإِنَّهم يُشبَعون. ٧طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون. ٨طوبى لِأَطهارِ القُلوب، فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله. ٩طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون. ١٠طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ، فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات ١١طوبى لكم، إِذا شَتَموكم واضْطَهدوكم وافْتَرَوْا علَيكم كُلَّ كَذِبٍ مِن أَجلي، ١٢افرَحوا وابْتَهِجوا: إِنَّ أَجرَكم في السَّمَواتِ عظيم"
الحرب. السنة الثانية – يوم ٢٦
"أَلَم يَعلَمْ جَميعُ فَعَلَةِ الإِثمِ الَّذينَ يَأكُلونَ شَعْبي، كما يُؤكَلُ الخُبزُ ولا يَدْعونَ الرَّبّ؟ هُناكَ يَرتَعِبونَ رُعْبًا حَيثُ لا رُعْبٌ، لأَنَّ اللهَ مع جيلِ الأَبْرار" (مزمور ١٤: ٤-٥).
ارحمنا، يا رب. "أَلَم يَفهَمْ جَميعُ فَعَلَةِ الإِثمِ"؟ كلا، يا رب، إنهم لم يفهموا. الذين يصنعون الحرب لا يريدون أن يفهموا، إنهم مستمرون في القتل والتدمير، في غزة وفي جنوب لبنان. مجازر لا فائدة منها. مزيد من الإثم في الإنسان الذي يرفض خلاصه. ربَّنا يسوع المسيح، جئْتَ لتخلِّصنا جميعًا، أضِئ بوجهك علينا. لا أحد عدو في نظرك. الجميع أبناؤك. لكن، ليرتعِبْ أمامك المتمسكون بالحرب، "ليرتَعِبوا رُعْبًا حَيثُ لا رُعْبٌ، لأَنَّ اللهَ مع جيلِ الأَبْرار"، ليرتعبوا أمام شر أنفسهم، وأنت يا رب، "كن مع جيل المظلومين"، في هذه الأرض. ارحمنا، يا رب.
إنجيل اليوم
عيد جميع القديسين. إنجيل التطويبات.
"طوبى لِفُقَراءِ الرُّوح، فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات" (٣).
2 / 5
فقراء الروح، الأحرار في قلوبهم من كل قيد في الأرض. القلب النقي الذي يرى ما بعد الأرض. الفقير بالروح هو غير المتعثر بالرغبة في خيرات الأرض ولا بعبودية أي شيء في الأرض. هو الذي يعرف نفسه فقيرًا إلى الله. هو الذي يعرف أنه لا يكفي نفسه بنفسه. فيمُدُّ يده وقلبه إلى الآب الذي يرسل إلى طيور السماء طعامها، ويلبس زنابق الحقل بهاءها.
فقير، يملك خيرات الأرض وكأنه لا يملكها، كما يقول القديس بولس. يطلب خيرات الأرض، لكن من غير أن ينسى حاجته إلى أبيه الذي في السماء. ومن غير أن ينسى إخوته معه على الأرض.
"طوبى لِلْمَحْزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون" (٤)
المحزونون على الأرض كثيرون. الباكون، الدموع جزء من حياتنا. نحن في وادي الدموع والويلات الكثيرة. لكنا أيضًا في أرض الله ونعمه الكثيرة.
قد تكون حياتنا أحيانًا زمن ولادة، وتنشئة وتكوين، وتنضيج، بالمحن. ويوجد على الأرض أيضا زمن للنور، لحضور الله، وفيه عزاؤنا، وفيه كل المحبة التي يرسلها لنا في صعابنا.
لم يخلقنا الله لنبكي، بل لنحيا، حياة فائضة. مات يسوع المسيح من أجلنا، ونحن مثله، نموت لنحيا.
"طوبى لِلوُدَعاء فإِنَّهم يَرِثونَ الأَرض" (٥)
أصحاب العنف يستقوون، ويسفكون الدماء. ويسودون الأرض على طريقتهم وليست طريقة الله، - حياتهم في ظلم وموت الآخرين. ليس كذلك الودعاء.
الودعاء يرون الله، حاضرًا في قلوبهم، وفي كل حياتهم. علاقتهم بالأرض وعلاقاتهم بكل إخوتهم علاقة سلام. لا كراهية في قلوبهم، ولا انتقام، ولا دماء. يرون الله ويرون أبناء الله، إخوتهم. يَحيَوْن في سلام، أمام الله ومع الله وإخوتهم.
الحياة من دون حروب ومن دون دماء أمر ممكن. بل هذا هو الأمر الطبيعي: هي الحياة على مثال الله الذي يحِبُّ أبناءه. مع أن حياتنا اليوم هي حياة عنف وحروب. نقاوم الشر، ونقاوم العنف، ومع ذلك نحن بحاجة إلى مزيد من الروح لنرى طرق الله في سلام الأرض.
3 / 5
"طوبى لِأَطهارِ القُلوب، فإِنَّهم يُشاهِدونَ الله. ٩طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون" (٨-٩).
لا عنف ولا حروب. هذه دعوة البشرية. هذه حياة الإنسان الطبيعية. ومع ذلك، حياتنا اليوم هنا، عكس ذلك. فُرِضَ علينا العنف، والظلم، وفُرِضَت الحرب والموت. نقاوم بأن نتمسك بإنسانيتنا. نصلي ولو لم تكن الصلاة سلاحًا بين أهل العنف، لكنها في قلب الودعاء وفي قلب الله سلاح فاعل. الله يرى، والله يفعل. ونحن نعمل بحسب موقعنا في مجتمعنا. نقاوم ونشارك في التضحيات. ونقدم آلامنا ومقاومتنا قربانًا لله.
ربي يسوع المسيح، تأملنا في التطويبات. ونحن اليوم في حياتنا اليومية التي تسيطر عليها الحرب أمام مأزق. نحن أمام حرب مفروضة علينا، وأمام الموت مفروضًا علينا، نرافق آلاف الموتى والدمار الكثير، والقلوب الكثيرة المحطمة. ونسمعك تقول لنا: "طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ يُدعَون". اللهم أنرنا واهدنا وارحمنا. آمين.
الجمعة ١/١١/ ٢٠٢٤ بعد الأحد ٣٠ من السنة/ب






