بين الشكل والجوهر: تأمل رعوي في عادات تضعف الصوم

الكاتب : المطران يوسف متى، متروبوليت عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل للروم الكاثوليك

أبنائي الأحباء في الرب نعيش معًا زمن الصوم الأربعيني الكبير في المسيحية، هذا الزمن المقدّس في الأسبوع الرابع من الصوم الذي تقودنا فيه الكنيسة، كأمّ حكيمة، في مسيرة روحية نحو سرّ القيامة وفرح عيد الفصح. وفي هذه المسيرة التي تحمل في عمقها دعوة إلى التوبة وتجديد القلب، أودّ بروح أبوية هادئة أن أنوّه ببعض العادات التي قد تتسلل إلى حياتنا خلال الصوم، فتُضعف معناه الروحي إن لم ننتبه لها.

بين الشكل والجوهر: تأمل رعوي في عادات تضعف الصوم

فقد يحدث أحيانًا أن ينحصر فهم الصوم في الامتناع عن بعض الأطعمة، بينما يبقى القلب بعيدًا عن التغيير. غير أن الكتاب المقدس يذكّرنا بأن الصوم الذي يريده الله ليس مجرد ممارسة خارجية، بل هو تحوّل في الداخل. فالصوم في جوهره هو عودة الإنسان بكليته إلى الله، كما يدعونا يسوع المسيح إلى عبادة صادقة تنبع من القلب لا من المظاهر.

ومن العادات التي يجدر التنبه لها أن يكثر الإنسان من الأطعمة الصيامية ويبحث عن تنوعها، فيفقد الصوم بساطته وروحه النسكية. بينما يدعونا الصوم في معناه الكتابي إلى الاعتدال وضبط النفس، لكي يتحرر القلب من التعلّق المفرط بالماديات وينفتح أكثر على الله.

كما قد يصوم الإنسان عن الطعام، لكنه لا يصوم عن الغضب أو الكلام الجارح أو إدانة الآخرين. غير أن الصوم الحقيقي هو صوم الإنسان كله: أن يصوم اللسان عن الإساءة، والعين عن النظر الذي يجرح النقاء، والقلب عن القساوة. فالصوم، في روحه العميقة، هو مسيرة تطهير للقلب لكي يصبح أكثر شبهًا بالمحبة التي أعلنها الله في المسيح.

وقد يتحول الصوم أحيانًا إلى ممارسة ظاهرية يسعى فيها الإنسان، دون أن يقصد، إلى إظهار التزامه أمام الناس. لكن الرب يدعونا إلى صوم متواضع يُعاش في الخفاء، حيث يرى الله القلب ويبارك الأمانة الصادقة.

ولا يمكن للصوم أن يبلغ عمقه الحقيقي إن بقي بعيدًا عن الصلاة وكلمة الله. فالصلاة هي النفس الذي يحيي الصوم، وكلمة الله هي النور الذي يكشف للقلب طريق التوبة والتجدد.

وأخيرًا، من المهم أن نتذكر أن الصوم ليس مجرد زمن عابر في السنة، بل هو مدرسة روحية تدعونا إلى مسيرة مستمرة من التحول الداخلي. فالصوم يهيئ القلب للقاء الرب القائم، لكي لا يكون عيد الفصح مجرد ذكرى نحتفل بها، بل خبرة حياة جديدة يعيشها الإنسان مع الله.

أبنائي الأحباء

ليكن هذا الزمن المبارك فرصة لنعود بصدق إلى الله، فنعيش صومًا نقيًا في الروح والقلب، حتى نستعد بفرح حقيقي للقاء الرب القائم ونختبر في حياتنا قوة قيامته المتجددة.