جامع الجزائر.. من ذاكرة الألم الاستعماري إلى فضاء عالمي لحوار الأديان

الكاتب : يونس بن عمار - موقع "الجزائر اليوم"

حملت زيارة بابا الفاتيكان، ليون الرابع عشر إلى جامع الجزائر يوم الإثنين، أبعادا رمزية عميقة، تجاوزت طابعها الديني البروتوكولي، و حتى اطالع الرسمي للزيارة لتفتح قراءة تاريخية وحضارية لمسار هذا الفضاء الذي تحول من شاهد على مرحلة استعمارية قاسية إلى منبر عالمي للتسامح والتعايش.

جامع الجزائر.. من ذاكرة الألم الاستعماري إلى فضاء عالمي لحوار الأديان

وفي هذا السياق، أكد صافي حبيب، المختص في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، في تصريحات إعلامية، أن استقبال البابا داخل جامع الجزائر يعكس تحولا نوعيا في دلالة المكان، حيث أصبح جامع الجزائر، هذا الصرح الحضاري الكبير، اليوم فضاء للتقارب بين الأديان والحضارات، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خطاب جامع يعزز قيم السلم والحوار.

وأوضح المتحدث أن هذه الزيارة تكتسي بعدا رمزيا خاصا بالنظر إلى التاريخ المرتبط بالمكان خلال الحقبة الاستعمارية، حيث ارتبطت بعض الفضاءات الدينية آنذاك بسياسات طمس الهوية وممارسات قمعية طالت الجزائريين، في سياق سعت فيه قوى الاستعمار إلى فرض واقع ثقافي وديني مغاير، تحت غطاء الكنيسة الكاثوليكية.

وأشار حبيب إلى أن حضور البابا في هذا الصرح الديني، وما تضمنه خطابه من إشارات إلى الآلام التي عاشها الشعب الجزائري خلال فترات الاستعمار، يمكن قراءته كرسالة اعتراف رمزية بالتاريخ، ودعوة لتجاوزه نحو بناء علاقات قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.

كما اعتبر أن هذا التحول في وظيفة المكان، من فضاء ارتبط في الذاكرة الجماعية بفقدان الهوية والمعاناة، إلى منبر للحوار بين الأديان وإشاعة السلام، يعكس مسار الدولة الجزائرية في استعادة سيادتها الثقافية والدينية، وترسيخ نموذج للتعايش في إطار الجزائر الجديدة والمنتصرة.

وفي ظل التحولات الدولية الراهنة، يرى المتحدث أن مثل هذه المبادرات تكتسي أهمية متزايدة، إذ تساهم في إعادة ترميم منظومة القيم الإنسانية المشتركة، وتجعل من الحوار بين الأديان خيارا استراتيجيا لمواجهة التوترات وبناء مستقبل أكثر استقرارا وعدالة.

وتؤكد هذه الزيارة، بما تحمله من دلالات، أن الجزائر اليوم تقدم نفسها كفضاء جامع للحضارات، قادر على تحويل ذاكرة الألم إلى رافعة لبناء جسور التواصل، والدفاع عن قيم السلام والتعايش بين الشعوب.