الوديع بوداعته يملك الأرض - متى ٥: ٥- ٦

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

. "وَقَالَ الله: انمُوا وَاكثُرُوا وَاملَأُوا الأَرضَ وَأَخضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى أَسمَاكِ البَحرِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَكُلِّ حَيوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرضِ" (تكوين ١: ٢٨).

الوديع بوداعته يملك الأرض - متى ٥: ٥- ٦

 

  1. طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض. 
  2. طوبى للجياع والعطاش إلى البِرّ فإنهم يُشبَعُون. 

 

"طُوبَى لِلوُدَعَاءِ فَإنَّهُم يَرِثُونَ الأَرضَ" (٥). 

هكذا كان الإنسان الذي خلقه الله على صورته. خلقه وديعًا قادرًا مِحبًّا، بمثل وداعته وقدرته ومحبته. "وَقَالَ الله: انمُوا وَاكثُرُوا وَاملَأُوا الأَرضَ وَأَخضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى أَسمَاكِ البَحرِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَكُلِّ حَيوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرضِ" (تكوين ١: ٢٨).

خلق الله الإنسان على صورته. وقال له تسلَّط على الأرض، على النبات والحيوان. ولم يقل له: تسلَّط على الإنسان أخيك. لكن الإنسان خالف الله، وما زال يخالفه، فالاعتداءات كثيرة والحروب كثيرة وظلم الناس للناس كثير.

أنشدت مريم العذراء في نشيد شكرها لله قالت: "حَطَّ المـُقتَدِرِينَ عَنِ الكَرَاسِي، وَرَفَعَ المـُتَوَاضِعِينَ، أَشبَعَ الجِيَاعَ خَيرًا، وَالأَغنِيَاءُ أَرسَلَهُم فَارِغِينَ" (لوقا ١: ٥١-٥٣). كلام لكل كبير مستبِدّ، ليعود إلى نفسه، وإلى إخوته.

وقال يسوع المسيح أيضًا: "مَن لَهُ يُعطَى لَهُ وَيُزَادُ، وَمَن لَيسَ لَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ مَا هُوَ لَهُ" (متى ٢٥: ٢٩).

الوديع، غير المعتدي هو المالك الحقيقي. هو الذي له، لأن الذي لَه هو من جهده ومن الله، وليس من اعتدائه على أخيه. ولذلك يرث الأرض وينام مطمئنًّا، لأن ما يملكه ليس غنيمة سلبها من أحد. أما أقوياء الأرض، الأقوياء والظالمون، فيملكون ولا يملكون، لأنهم يسلبون ما لغيرهم، يسلبون أرضًا وخيرات، ويحرمون شعوبًا وأفرادًا حريتهم وأرضهم وكرامتهم. يملكون ظلمًا، فهم بالحقّ لا يملكون، هؤلاء هم الفقراء الذين لا شيء لهم، والذين يؤخذ منهم حتى الذي لهم. لهم أموال كثيرة وروح مفرَّغة من الإنسانية، مفرَّغَة من ذاتهم. يملكون ولا يملكون. وهم أحياء يجاورون غياب الحياة. هؤلاء عرضة للاعتداء كما اعتدَوْا هم أنفسهم على غيرهم. ويستحقون أن يؤخذ منهم ما يَعُدُّونه لهم، وهو ليس لهم، بل لغيرهم.

"طُوبَى لِلوُدَعَاءِ فَإنَّهُم يَرِثُونَ الأَرضَ". الوديع بوداعته يملك الأرض، وبوداعته يسير به الله على طرق الأرض التي تؤدي إلى السماء. يملك الأرض وخيراتها مطمئنًّا من غير خوف، ولا ذنب يُثقِل ضميره. لأنه لم يَسلِب، ولم يظلم أخاه، بل بقي سندًا له، وظلَّ قريبًا من الله خالقه، على صورته، وظل الله قريبًا منه. هذا الوديع القادر أن يملك نفسه، فيملك الأرض ويرى الله، ويرى إخوته ويشاركهم ما يهبه الله لمـُحِبِّيه.   

"طُوبَى لِلجِيَاعِ وَالعِطَاشِ إلَى البِرِّ فَإنَّهُم يُشبَعُونَ" (٦). 

سواء ملأهم الله بالخيرات، أم امتحنهم، ثم أعطاهم، فإنهم يرَوْن الله. إن ملكوا أو لم يكن لديهم شيء، في كل حال هم جياع وعطاش إلى الأمر الواحد الضروري، إلى الله، الخالق والأب ومصدر كل الخيرات. جياع وعطاش إلى الله، والله يشبعهم بالحياة الوافرة، غير الملطخة بظلم الإخوة.

إن كَثُرَتْ خيراتك أو قَلَّت، اطلُبْ البِرّ، والعدل، والإنصاف لكل إخوتك. اطلُبْ الصلاح الذي هو الله نفسه، خالقك وأبوك ومانحك كل شيء. لا تُرهِقْ نفسك بالجوع والعطش إلى الأرض، ليست الأرض هي الهدف، بل الله هو الهدف. وأنت هو الهدف، وحياتك السامية بمثل سمو الله، هي الهدف. قال يسوع المسيح أيضًا: اطلبوا ملكوت الله وبِرَّه، والباقي كله يُزاد لكم. اطلُبْ البِرّ، اطلُبْ الله، وستجد الله وتجد كلَّ نفسك، قريبًا من الله أبيك، ومن كل إخوتك.

ربي يسوع المسيح، علِّمْني أن أكون وديعًا، علِّمني أن أجوع وأعطش إلى البِرّ فقط، إلى ما هو منك، إليك أنت، لأجد كل ذاتي فيك. آمين.

الثلاثاء ١٣/٦/٢٠٢٣             الثلاثاء من الأسبوع ١٠ من السنة/أ