التأمل اليومي من البطريرك ميشيل صباح جزيل الوقار

القيامة- يقدم لنا البطريرك ميشيل صباح، وجبة روحية صباحية عبر صفحة "كنيسة الأرض المقدسة"، فيها من العبر والحكم الكثير، والتي تشكل غذاء روحي لكل مؤمن، بل لكل انسان واقعي، ونقدم لكم فيما يلي تأمل هذا الصباح لغبطته.

التأمل اليومي من البطريرك ميشيل صباح جزيل الوقار

الاثنين ٢٦/٩/٢٠٢٢

الأسبوع ٢٦ من السنة/ج

لوقا ٩: ٤٦-٥٠

٤٦. وجرى بينهم جدال فيمن تراه الأكبر فيهم.

٤٧. فعلم يسوع ما يساور قلوبهم، فأخذ بيد طفل وأقامه بجانبه،

٤٨. ثم قال لهم: من قبل هذا الطفل إكراما لاسمي فقد قبلني أنا، ومن قبلني قبل الذي أرسلني. فمن كان الأصغر فيكم جميعا فذلك هو الكبير.

٤٩. فتكلم يوحنا قال:يا معلم، رأينا رجلا يطرد الشياطين باسمك فأردنا أن نمنعه، لأنه لا يتبعك معنا.

٥٠. فقال له يسوع: لا تمنعوه، فمن لم يكن عليكم كان معكم.

"وَجَرَى بَينَهُم جِدَالٌ فِيمَن تُرَاهُ الأَكبَرُ فِيهِم... مَن كَانَ الأَصغَرُ فِيكُم جَمِيعًا فَذَلِكَ هُوَ الكَبِيرُ" (٤٦ و٤٨).

من الأكبر؟ من الأكبر في خليقة الله، بين الناس؟ من الأكبر في الكنيسة؟ من هو الكبير؟

كلنا كبار في نظر الله، كلنا من صنع يد الله، وبه، بخالقنا نحن كبار. كلنا خلقنا الله على صورته، وبهذا نحن كبار. ولأن الله يحبنا نحن كبار. ولأن الله منحنا المقدرة على الحب، وزيننا بالعقل، نحن كبار. الله يصنعنا كبارًا، وأمامه نحن كبار. أما ادعاء أحدنا بأنه أكبر من غيره بجاه أو بمال، أو باستبداد وظلم، كل هذا لا يصنع الإنسان كبيرًا. إن لم يكن أمام الله كبيرًا، مهما كبر في نظر نفسه أو في نظر الناس، فهو صغير. من دون الله، ليس الإنسان فقط صغيرًا، بل هو لا شيء. الإنسان المستبد، أو المتكبر بنفسه، وأسوأ من ذلك، الذي يظن نفسه كبيرًا لأنه يظلم ويستبد، هذا إنسان صغير.

الكبير، الله يصنعه كبيرًا. والصغير من يظن أنه كبير من دون الله. قال يسوع: الكبير هو من يخدم، ويحِبّ، ويمدُّ يد المساعدة إلى كل إخوته، ويهتمًّ لهمومهم، ويحملها معهم. الكبير هو من خدم وأحبَّ.

​"مَن كَانَ الأَصغَرُ فِيكُم جَمِيعًا فَذَلِكَ هُوَ الكَبِيرُ"، أي: الكبير هو من عرف نفسه أنه بنفسه لا شيء، وأنه بكل صفاته وكفاءاته لا شيء، بل الله هو الذي صنعه كبيرًا. الكبير هو من عرف أن لا شيء له من نفسه، بل كل شيء له فهو من الله، وأن كل شيء فيه، كل موهبة فيه، فهي من الله، وهي لله ولإخوته. الكبير هو الذي يرى الله ويرى إخوته الناس، ويحبهم، كما يحبهم الله.

​وحكمة ثانية في إنجيل اليوم:

​ قال يوحنا: "يَا مُعَلِّمُ، رَأَينَا رَجُلًا يَطرُدُ الشَّيَاطِينَ بِاسمِكَ فَأَرَدْنَا أَن نَمنَعَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَتبَعُكَ مَعَنَا. فَقَالَ لَه يَسُوع: لَا تَمنَعُوهُ، فَمَن لَم يَكُن عَلَيكُم كَانَ مَعَكُم" (٤٩-٥٠).

​رجل يعمل الخير. وباسم المسيح يطرد الشياطين، لكنه ليس من "المجموعة". أراد يوحنا أن يمنعه. يصنع الخير لكنه ليس من "طائفتنا". قال يسوع: لا تمنعوه. من ليس عليكم فهو معكم. من لا يعارضكم، وهو يعمل الخير فهو معكم. لا تمنعوا أحدًا من عمل الخير. الخير يجمع بين جميع الناس. كذلك المحبة، مثل محبة الله، تجمع بين جميع الناس. المخاصمات الطائفية، سواء في الكنيسة، أو بين الديانات، كثيرة. الطائفة تصنع أتـباعًا، وأعدادًا، ولا تصنع حتمًا مؤمنين. الطائفة تحوِّل الدين إلى شأن بين الناس، ولا يبقى الدين إيمانًا بالله. الله لا يريد أعدادًا، بل مؤمنين صادقين، يصنعون الخير، ويحبّون أعني يريدون الخير لكل الناس. المؤمنون يحبون ويتعاونون، لا يتخاصمون، يبنون الكنيسة بالمحبة، ويبنون المجتمع بالمحبة. المؤمن يتغلَّب على كل ضيق نظر في تفسه، لكي يكون قلبه واسعًا، رحبًا مثل قلب الله، فيرى في الجميع إخوة له، في من هم في "الرعية وفي الكنيسة"، وفي كل من هم في المجتمع، في كل الديانات. كلهم خلق الله وأبناء الله وإخوة.

​ربي يسوع المسيح، أعطني وأعطنا جميعًا، ألا نتخاصم لأننا نؤمن بك، ولأننا نتبعك، بل أعطنا أن نكون تلاميذ لك صادقين، قادرين على المحبة، نحب كل إخوتنا، كل الناس، على أي دين، وفي أي حال كانوا. آمين.