البطريرك بيتسابالا يناشد الجماعة الدولية عدم ترك الأرض المقدسة وحدها في وجه الكارثة
أكد بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بيتسابالا، أن الوضع في غزة بلغ مستوى كارثياً، داعياً المجتمع الدولي إلى عدم ترك الأرض المقدسة وحيدة في مواجهة المأساة الإنسانية المتفاقمة. وجاءت تصريحاته خلال تسلّمه جائزة "Limes للحوار والسلام" في مدينة برغامو الإيطالية، حيث قدّم شهادة مؤثرة عن زيارته الأخيرة إلى القطاع يومي الثاني والعشرين والثالث والعشرين من حزيران برفقة البطريرك الأرثوذكسي تيوفيلوس الثالث.
|
وصف بيتسابالا المشهد في غزة بأنه كارثة شاملة، مشيراً إلى أن مدناً كاملة دُمّرت وسُوّيت بالأرض، وأن مدينة رفح لم تعد موجودة فعلياً. وقال إن التنقل داخل القطاع يتم عبر طرق عشوائية بين الخيام ومجاري الصرف الصحي، حيث يعيش الناس في ظروف قاسية لا تنقلها الصور أو الشاشات. وأوضح أن الروائح الكريهة والأوضاع الصحية المتدهورة تشكل جزءاً من المعاناة اليومية، لافتاً إلى انتشار الجرذان التي باتت تهاجم السكان، ولا سيما الأطفال. وأشار غبطته إلى أن الأطفال في غزة يدفعون الثمن الأكبر لهذه الحرب، إذ يُحرمون من التعليم والحياة الطبيعية، ويقضون أيامهم بين الأنقاض وبجوار المجاري المفتوحة. وأضاف أن دخول بعض المواد الغذائية إلى القطاع لا يعني تحسناً حقيقياً، لأن معظم المستلزمات الأساسية ما زالت ممنوعة، حتى تلك المرتبطة بإعادة فتح المدارس، مثل المقاعد والدفاتر والأقلام والزجاج.
هذا ثم شدد بيتسابالا على أن الحاجة الملحة اليوم لا تقتصر على الغذاء والدواء، بل تشمل أيضاً الدعم النفسي، خصوصاً للأطفال والأمهات الذين يعانون من صدمات عميقة خلفتها الحرب. وقال إن العاملين في القطاع الصحي أكدوا له أن معالجة هذه الجروح النفسية ستكون من أهم التحديات في المرحلة المقبلة. بعدها تطرق بطريرك القدس للاتين إلى الوضع المتوتر في الضفة الغربية، مؤكداً أن الفلسطينيين هناك يعيشون أيضاً ظروفاً صعبة، في ظل اعتداءات متكررة من المستوطنين، تشمل تدمير الأراضي الزراعية وقطع الأشجار وإقامة حواجز عشوائية، إلى جانب أعمال عنف وسرقة وإهانات يومية. وأعرب عن أسفه لما وصفه بغياب المحاسبة القانونية، ما يزيد من شعور الفلسطينيين بالعجز والخوف. وعلى الرغم من هذه الصورة القاتمة، شدد غبطته على أن الحوار لا يزال الطريق الوحيد نحو السلام، مؤكداً أن الحاجة اليوم أكبر من أي وقت مضى إلى فهم الآخر والتعاطف معه، حتى مع من يختلفون معنا. وأشار إلى أن أحداث السابع من أكتوبر تركت أثراً عميقاً في الوعي الإسرائيلي، وساهمت في تصاعد خطاب أكثر تشدداً داخل المجتمع. كما تحدث بيتسابالا عن التحولات التي تشهدها مدينة القدس سواء على المستوى الديموغرافي أو الاجتماعي، موضحاً أن المدينة باتت تعيش انقسامات أعمق بين مكوناتها المختلفة، فيما تتراجع أعداد المسيحيين وتتزايد الاحتكاكات بين السكان.
في الختام وجه غبطته نداءً إلى وسائل الإعلام والرأي العام العالمي، مطالباً بعدم نسيان ما يجري في الأرض المقدسة، وعدم التعامل معه كخبر عابر. وأكد أن مسؤولية العالم اليوم هي إبقاء الضوء مسلطاً على معاناة الشعوب هناك، والعمل على إخراجها من دوامة الحرب واليأس، عبر الحوار والعدالة والاعتراف بحق الجميع في حياة كريمة وآمنة. وتزامنت هذه التصريحات مع تصاعد التحذيرات الدولية من انهيار كامل للبنية الإنسانية في قطاع غزة، حيث مئات آلاف المدنيين يواجهون خطر الجوع والمرض والنزوح، في ظل قلة المساعدات وصعوبة وصولها إلى المناطق المنكوبة. وإزاء استمرار العمليات العسكرية وتعمق الانقسامات السياسية يبقى المدنيون، لاسيما الأطفال، الحلقة الأضعف في هذا الصراع الطويل. وفي ظل هذا الواقع يرى كثيرون أن المجتمع الدولي يبدو عاجزا عن وقف الحرب وفتح أفق حقيقي نحو سلام عادل يضمن الكرامة والأمن لجميع شعوب المنطقة.
|










