مَن آمَنَ بِه لا يُدان، ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ - يوحنا ٣: ١٦-١٨

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

١٦فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة ١٧فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم، بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم. ١٨مَن آمَنَ بِه لا يُدان، ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد". الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان.

مَن آمَنَ بِه لا يُدان، ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ - يوحنا ٣: ١٦-١٨

"إِذا ذَكَرتُكَ على مَضجَعي، تَمتَمتُ بِكَ في الهَجَعات" (مزمور ٦٣: ٧). ارحمنا، يا رب. في هذه الأرض المقدسة، يا رب، في غزة وكل فلسطين، وفي جنوب لبنان، وفي كل المنطقة، ليلنا ونهارنا مليء بالحرب والموت. نذكرك في الهجعات، وفي الليل والنهار ونتضرع إليك: نجنا يا رب، من كل شر. الحرب والموت في القلوب وكل شر ينجم عن ذلك. الخوف، والعذاب، والأسرى. والخبز اليومي صار صعبًا. وأنت أبونا. انظر إلينا. اذكرنا، يا رب. إلى هذه الأرض نفسها جئت، يا رب، لتخلِّص البشرية. واليوم، هنا، حرب وموت. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

١٦فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة ١٧فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم، بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم. ١٨مَن آمَنَ بِه لا يُدان، ومَن لم يُؤمِنْ بِه فقَد دِينَ مُنذُ الآن، لِأَنَّه لم يُؤمِنْ بِاسمِ ابنِ اللهِ الوَحيد"(١٦-١٨).

هذا أحد الثالوث الأقدس. نتأمل فيه. يسوع عرَّفنا بالآب، وبالابن والروح القدس. الله محبة. علاقة الله بنا: خلقنا وأحبنا. بحبه الأزلي. "فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد، لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة" (١٦).

حتى يرى القلب، ما يجب أن يراه. الله أحبنا أولا. الله خلقنا. به نوجَد، وبه نحيا. القلب الذي يرى يتأمل في هذه العلاقة، علاقتنا مع الله، حياتنا معه. فيه نحيا ونوجد. وهو حي فيَّ.

في صلاح حبِّه وفي قوة حبِّه، نحيا حياة وافرة. ونواجه كل تحديات الأرض: الخطيئة والويلات، وكل ضعف فينا. الله يحبنا، ويجعلنا أقوى من ضعفنا، ولا يتركنا وحيدين في الأرض. لسنا وحيدين على الأرض، بكل صعابها. الله يحبنا.

أب وابن والروح القدس. إن الله أحب العالم. فلا مجال أو سبب للخوف. الناس القساة يسببون الخوف. لكن يوجد أيضًا الناس "المخلَّصون" الذين رأوا وقبلوا الله الآب، والابن الذي صار إنسانًا مثلنا، ليبذل حياته من أجلنا، وليمحو خطايانا وليُرجِعَنا إلى حبه، إلى حقيقتنا الأولى قبلَ الخطيئة.

الله خلقني وجعلني قادرًا لأن أحيا، أعني قادرًا لأن أحب، فأنا قادر بالذي أحبني وأعطاني هذه القدرة نفسها. العالم بحاجة إلى محبة. وأنا في حياتي الشخصية لا أقدر أن أحيا إلا بالحب الذي منحني إياه أبي وخالقي.

"لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه، بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة". الجميع مدعوون إلى الخلاص، وإلى الحياة. لهذا صار الله إنسانًا، ليرفعنا إليه، ليعيد إلينا مقدرتنا لأن نكون مثله، ليمنحنا المحبة، والفرح والقوة أمام كل نتائج الخطيئة. " فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ".

أقوم وأرجعُ إلى بيت أبي. دائمًا. هذه هي حياتي: رجوع إلى ما كنت وما زلت: قادرًا على رؤية الله، وحبه وحب كل خليقته، وكل إخوتي وأخواتي. قادر على أن أقدم المحبة للعالم، للجميع، في وجه الحرب والموت.

"فإِنَّ اللهَ لَم يُرسِلِ ابنَه إِلى العالَم لِيَدينَ العالَم، بل لِيُخَلَّصَ بِه العالَم" (١٧).

الله خالقنا وأبونا لا يريد أن يحكم علينا، بل يريد أن يخلصنا من قبضة الشرير. على أساس هذه الحقيقة، قال لنا القديس بولس: " أَيُّها الإِخوَة، افرَحوا وانقادوا لِلإِصلاح والوَعْظ، وكونوا على رَأْيٍ واحِدٍ وعيشوا بِسَلام، وإِلٰهُ المَحبَّةِ والسَّلامِ يَكونُ معَكُم" (١١).

أن نحِب يعني أن نوجد. الله موجود، الله يحب. وأعطاني الوجود، والمقدرة على المحبة. أن نحب، يعني أن نكون، وأن نكون إخوة وأخوات، وأن نكون في الفرح، ونسعى إلى الإصلاح والكمال، وأن نكون في سلام الله.

الله الثالوث القدوس، هو محبة. هو الذي صار إنسانًا لا ليحكم علينا بل ليغفر لنا، ويعيدنا مثله قادرين على المحبة.

ربي يسوع المسيح، جئت إلى أرضنا، لا لتحكم علينا بل لتخلِّصنا. املأني بروحك القدوس حتى. أعلم من أنا، ماذا صنعتني: أن أوجد وأن أحب. ربي يسوع المسيح، أرسل روحك القدوس ليرشدني، ويهديني، ويحفظ فيَّ عملَ خلاصك، وحبَّك. آمين.

الأحد ٣١/٥/٢٠٢٦                                 أحد الثالوث الأقدس