محبة الله ومحبة القريب - متى ٢٢: ٣٤-٤٠

الكاتب : غبطة البطريرك ميشيل صباح - بطريرك القدس بلاتين سابقا

"يَا مُعَلِّم، مَا هِيَ الوَصِيَّةُ الكُبرَى فِي الشَّرِيعَةِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَحبِبْ الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ َوَكُلِّ نَفسِكَ وَكُلِّ ذِهنِكَ. تِلكَ هِيَ الوَصِيَّةُ الكُبرَى وَالأُولَى. وَالثَّانِيَة مِثلُهَا: أَحبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ. بِهَاتَيْنِ الوَصِيَّتَيْنِ تَرتَبِطُ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا وَالأَنبِيَاءُ" (٣٦-٤٠).

محبة الله ومحبة القريب - متى ٢٢: ٣٤-٤٠

محبة الله ومحبة القريب - متى ٢٢: ٣٤-٤٠

٣٤. وبلغ الفريسيين أنه أفحم الصدوقيين فاجتمعوا معًا.

٣٥. فسأله واحد منهم ليُحرِجَه:

٣٦. يا معلم، ما هي الوصية الكبرى في الشريعة؟

٣٧. فقال له: أحبِبْ الربَّ إلهَكَ بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك.

٣٨. تلك هي الوصية الكبرى والأولى.

٣٩. والثانية مثلها: أحبِبْ قريبك حُبَّكَ لنفسك.

٤٠. بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء.

"وَبَلَغَ الفَرِّيسِيِّينَ أنَّهُ أَفحَمَ الصَّدُوقِيِّين فَاجتَمَعَوا مَعًا" (٣٤).

أول تعليق على هذه الآية: " وَبَلَغَ الفَرِّيسِيِّينَ أنَّهُ أَفحَمَ الصَّدُوقِيِّين". الدين، والإيمان بالله، يمكن أن يصير جدالًا بين الناس، حول بعض العقائد أو الأخلاق، ويمكن أن يصير لدى البعض رغبة في إفحام الآخر المختلف عني. في هذه الحالة، الله يغيب، ولا يبقى الدين عبادة لله، بل يصير جدالًا بين الناس. قد يحدث هذا بين اديان مختلفة، وقد يحدث أيضا في الديانة الواحدة، وبين المسيحيين. "الرغبة في إفحام الآخرين". إن قدرة الإنسان على الدمار كبيرة.

قد يحدث لنا، مرارًا، أن نتخذ مواقف طائفية متشددة. وفي التشدد أفقد محبتي لله وللناس. وإذا فقدت المحبة فقدت الله نفسه، وفقدت نفسي. هكذا نشأت الحروب الدينية، وهكذا نشأت الشرور الكثيرة في الكنيسة، والانشقاقات، وغيرها.

جواب يسوع على سؤال الفريسيين يعيد الأمور إلى حقيقتها. فهو يعيد الفريسيين والصدوقيين، المتخاصمين، إلى الحقيقة الجوهرية، ويذكِّرنا نحن أيضًا ألا نضيع في جدالات مدمرة، ألا نطلب إفحام أحد، بل أن نحب الله، ونحب كل أبناء الله مهما كان موقفهم الديني.

"يَا مُعَلِّم، مَا هِيَ الوَصِيَّةُ الكُبرَى فِي الشَّرِيعَةِ؟ فَقَالَ لَهُ: أَحبِبْ الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ َوَكُلِّ نَفسِكَ وَكُلِّ ذِهنِكَ. تِلكَ هِيَ الوَصِيَّةُ الكُبرَى وَالأُولَى. وَالثَّانِيَة مِثلُهَا: أَحبِبْ قَرِيبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ. بِهَاتَيْنِ الوَصِيَّتَيْنِ تَرتَبِطُ الشَّرِيعَةُ كُلُّهَا وَالأَنبِيَاءُ" (٣٦-٤٠).

هذا هو الجوهر. وينبوع كل حقيقة، أن نحب الله والقريب، كل أبناء الله. محبة الله ومحبة القريب تمنع أن يتحوَّل الدين إلى جدالات بشر. إن نحن أحببنا الله حقًّا، الله يساعدنا الله على البقاء في نور حقيقته، وعدم الانزلاق إلى الجدالات المدمِّرة.

الشريعة كلها، وكل تعاليم الأنبياء، تتلخَّص في هذه الوصية الأولى والثانية: أحبِبْ، واخرج من ذاتك، لتلقي مع الله ومع جميع أبناء الله، وحتى لا تحَوِّل الإيمان بالله إلى مخاصمات بشرية.

أن تؤمن بالله، يعني أن تُحِبَّ الله. والحب الحقيقي هو البقاء مع الله، وفيه ترى كل أبناء الله، وتُحِبُّهم. إذّاك لا تبقى حروب دينية، ولا انشقاقات في الكنيسة... ولا مخاصمات أخرى، مثل التي توجد في الكنيسة الجامعة اليوم. المحبة نور كبير، ودليل إلى الحقيقة المطلقة التي هي الله، وإلى كل حقيقة.

الحب ينقِّي أيضا ويُصلِح النوايا والأعمال. الحب يجعلنا نرى ما نعمل، شرًّا كان أم خيرًا، فنتجنّب الشر، ويثبِّتُنا في الحق، لأننا قادرون في ضعفنا أن ننسى الله، وأن ننصب أنفسنا صنمًا لأنفسنا. فننسى ولا نعيش الوصية الأولى والثانية، ويكثر الشر فينا، ويصير عملنا عقيمًا. لأننا نعمل وحدنا، ولأنفسنا، والله ليس معنا، فنتعرّض لكل أنواع الأخطاء.

فحص الضمير واجب لنرى هل نحب الله والقريب فعلا. هل عواطفنا وأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا فيها حب لله، وهل نحب القريب، الأقربين منا خصوصا، الذين نعيش معهم كل يوم، والبعيدين. فحص ضمير واجب لأعود إلى حب الله وحقيقته، متواضعًا، لا أجعل الدين مخاصمات بين الناس. الدين هو أولا حب الله والقريب، كل قريب، من دون تمييز.

ربي يسوع المسيح، سمعت وفهمت. وقبلت والوصية، أن أحب الله وأن أحب القريب. لكني ضعيف. وأنت، ربي يسوع، تعرف ذلك. يمكن أن أبتعد عن الحب، وأن أحوِّل الإيمان كله إلى قضية "إفحام" للآخرين... ربي يسوع المسيح، أعطني أن أبقى في نورك وفي حقيقية حبك. آمين.

الجمعة ٢٥/٨/٢٠٢٣           الأسبوع ٢٠ من السنة/أ