مجد الأب في أبنائه - يوحنا ١٥: ١-٨
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"اثبُتُوا فِيَّ وَأَنَا أَثبُتُ فِيكُم. وَكَمَا أنَّ الغُصنَ، إنْ لَم يَثبُتْ فِي الكَرمَةِ لَا يَستَطِيعُ أَن يُثمِرَ مِن نَفسِهِ، فَكَذَلِكَ لَا تَستَطِيعُونَ أَنتُم أَن تُثمِرُوا إن لَم تَثبُتُوا فِيَّ" (٤).
١. أنا الكرمة الحق وأبي هو الكرام.
٢. كل غصن فيَّ لا يثمر يفصله. وكل غصن يثمر يقضِّبُه ليَكثًرَ ثمرُه.
٣. أنتم الآن أطهار بفضل الكلام الذي قُلْتُهُ لكم.
٤. اثبتوا فيَّ وأنا أثبت فيكم. وكما أن الغصن، إن لم يثبت في الكرمة لا يستطيع أن يثمر من نفسه، فكذلك لا تستطيعون أنتم أن تثمروا إن لم تثبتوا فيَّ.
٥. أنا الكرمة وأنتم الأغصان. فمن ثبت فيَّ وثبَتُّ فيه، فذاك الذي يثمر ثمرًا كثيرًا لأنكم، بمعزل عني لا تستطيعون أن تعملوا شيئًا.
٦. من لا يَثبُتْ فيَّ يُلقَ كالغصن إلى الخارج فيَيبَسْ، فيجمعون الأغصان ويُلقونها في النار، فتشتعل.
٧. إذا ثبتم فيَّ وثبت كلامي فيكم فاسألوا ما شئتم يكن لكم.
٨. ألا إن ما يُمـَجَّدُ به أبي أن تثمروا ثمرًا كثيرًا وتكونوا لي تلاميذ
"أَلَا إنَّ مَا يُمـَجَّدُ بِهِ أبِي أَن تُثمِرُوا ثَمـَرًا كَثِيرًا وَتَكُونُوا لِي تَلَامِيذَ" (٨).
مجد الأب في أبنائه. في فرحهم، في أعمالهم، في كل ما ينجزون، في الحب الذي يعيشونه. الله الآب لا يحتاج إلى أحد. نحن نحتاج إليه، لنكون ونوجد، لنكون صورته، لنُحِبَّ مثله، حتى لا نبتعد عنه، حتى لا نجد أنفسنا وحيدين، ضالّين.
الأب يسهر، لا لأنه بحاجة إلى شيء ولا إلى أحد، لكنه أبونا، ويحِبُّنا. فلا يتركنا وحدنا.
قد نشعر مرارًا أننا بعيدون، وحدنا، لسنا مع الآب. يبدو لنا أن حياتنا هي هذه، وحيدين وبعيدين عن أبينا. أما هو فهو حاضر، لا يبتعد أبدًا، إنه مالئ الكون، ويملَؤُنا أيضا. علينا نحن أن نسهر، وأن نعي ونعرف من نحن وماذا نحن.
نحن على الأرض بكل نشاطاتها، ومقتضياتها. يبدو لنا أنه من الطبيعي أن نكون على الأرض، غارقين فيها، في نشاطاتها، ومقتضياتها. لكن الأمر الطبيعي هو أن نكون مع الآب. الطبيعي هو خارج الأرض. الطبيعي هو كل عقبة نلقاها هنا فتذكِّرنا حيث يجب أن نكون.
"أنَا الكَرمَةُ الحَقُّ وَأبِي هُوً الكَرَّامُ. كُلُّ غُصنٍ فِيَّ لَا يُثمِرُ يَفصِلُهُ. وَكُلُّ غُصنٍ يُثمِرُ يُقَضِّبُهُ لِيَكثُرَ ثَمَرُهُ" (١-٢).
"أنَا الكَرمَةُ الحَقُّ"، ونحن جميعًا، الأغصان، الأبرار والأشرار. الأغصان تحمل ثمرًا. تحيا لنفسها، ولغيرها، تعطي ثمرها لغيرها. والأب يبتهج لوفرة الثمر، ووفرة الحياة. والأبرار ينقِّيهم الآب ليحملوا ثمرًا أكثر. الحياة هي حياة مع الغير، ومن أجل الغير. هي الحياة مع، مع الله أبي، ومع كل من وضعهم أبي على طريقي، مع الأبرار والأشرار، مع الورود والأشواك. الأب ينقِّي الأبرار، ليزدادوا صلاحًا، ليزدادوا إقامة معه، حضورًا أمامه. والأشرار يقطعهم، إن أرادوا أن يبقوا أشرارًا. كل واحد مصيره في يده: هل ينقِّيه الأب فيزداد صلاحًا، أم يقطَعه ويُلقيه في النار؟ ...
"اثبُتُوا فِيَّ وَأَنَا أَثبُتُ فِيكُم. وَكَمَا أنَّ الغُصنَ، إنْ لَم يَثبُتْ فِي الكَرمَةِ لَا يَستَطِيعُ أَن يُثمِرَ مِن نَفسِهِ، فَكَذَلِكَ لَا تَستَطِيعُونَ أَنتُم أَن تُثمِرُوا إن لَم تَثبُتُوا فِيَّ" (٤).
هذا قانون الحياة. اثبتوا فيَّ وأنا فيكم. يسوع المسيح يقول ذلك. إذًا الأمر ممكن. حتى لا نُقطَع، بل نُنَقّى، وننمو، ونحيا، ونحمل ثمرًا، لغيرنا. حياتنا هي ما نعطيه لغيرنا. وسنعطي إن كنَّا ثابتين في الله، وهو فينا. هو دائمًا فينا. وأنا؟
"إذَا ثَبَتُّم فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُم فَاسأَلُوا مَا شِئْتُم يَكُنْ لَكُم" (٧). طلباتنا كثيرة، ما زلنا في شؤون الأرض. الحاجات كثيرة، والأوجاع كثيرة، والصعاب كثيرة... لكن، إن ثبتنا فيه، وثبت هو فينا، أتينا ثمرًا كثيرًا، وأصبحنا قادرين على سد كل الحاجات، وتهدئة كل الأوجاع، وتجاوز كل الشدائد. يجب أن نصل إلى هذا: "اسأَلُوا مَا شِئْتُم يَكُنْ لَكُم". ليكون هذا، قال يسوع: "إذَا ثَبَتُّم فِيَّ وَثَبَتَ كَلَامِي فِيكُم". وهذا أمر ممكن. لأن هذه هي الحياة، حتى على الأرض.
ربي يسوع المسيح، أعطني أن أحيا مع الله أبي، ومع كل إخوتي، وأعطني أن أحيا لهم. لهذا، أعطني أن أثبت فيك. آمين.
الأربعاء ١٠/٥/٢٠٢٣ بعد الأحد الخامس في زمن الفصح





