لذكرى المأسوف على شبابه فريد غسّان دُر، قَطَعَ سَيْفُ الرَّحيل سُلطانَ الحياة

الكاتب : مارون سامي عزّام - شفاعمرو

لم يترك القدرُ سربَ الحياةِ مُحلِّقًا في أجواءٍ عاديّة، بل بعثره في ميناءِ الوقت المُدَوَّر بالأحداث المتقلِّبَة، فجأة سمعتُ خبرَ وفاةِ ابنِ الخال فريد غسّان دُر، في الولايات المتحدة الأمريكية المُغَرَّبة عنّا في كل شيء. حاصر الصّمت ذهولي، وكتمتُ ردّة فعلي، لأنه لا يمكن الاعتراض على مشيئة الرّب، فكَتَبَ مصيره في كتاب الأزل بقلم الوداع، فلم يتركه يُكمِل مسار عمره كما خطّطته له الأيّام.

لذكرى المأسوف على شبابه فريد غسّان دُر، قَطَعَ سَيْفُ الرَّحيل سُلطانَ الحياة

في بادئ الأمر، لم نعرف ما حصل مع فريد، فكان ضباب الغموض يكتنف أحاسيسنا، وبقينا نأمل أن نسمع خبرَ إنقاذه بأيّة طريقة، ليعود إلى ممارسة عمله بصورةٍ طبيعيّة، بلا تداعياتٍ صحيّةٍ تحدّ من عزيمته العمليّة... اهتزّت الشبكة العائليّة حين وصلت إلينا حقيبة فريد فارغةً من وداعته وبشاشته، لا تحمل صدى ابتسامته، فلم نتمكّن من توديعه بصورةٍ لائقةٍ في رحلته الأبديّة... كانت ساعةً مؤلمةً جدًّا، إذ دارت فيها عقارب الحزن، الفراق والحرقة حول هالة التسليم الإلهي.

انطلقت سهامُ الحسرة اللعينة من قوس التخوّف، فأصابت قلوبنا، وسالت منها دموع اللوعة على فراق الفريد. أثناء عمله في مزرعته، قرّر الاستراحة من وطأة الشمس الناريّة، بعد أن تحدّى لهيبها بجسد إرادته الحديديّة وبذراع همّته التي لم تهدأ، عندها حَمَلَ القَدَر سيف الرحيل، وقطع به سلطان حياته ببشاعة، فألقاه عنوةً على سرير الآخرة.

شكّلت أسرةُ الخال الراحل غسّان، من خلال زياراتها، سلسلةً متينةً لملاقاة الأقارب، غير أنّها لم تقطع حنينها إلى شفاعمرو... أتذكّر أبناءه وهم ينطقون كلمة "آنتي" بلكنةٍ عربيّةٍ طريفة، لانخراطهم في اللغة الإنجليزيّة. كان انتماؤهم إلى العائلة حاضرًا في قلوبهم، ومستحضَرًا دومًا في ذاكرتنا التي ما تزال تحتفظ بصورٍ جميلةٍ تحمل ألوان الذكريات، وقد صبغها الافتراق باللون الرماديّ. لم أنسَ ملامح طفولة الراحل فريد، التي ما تزال تتراقص في مخيّلتي، مع أنّ إزميل الاغتراب لم ينحتها كثيرًا في شبابه.

لا يستحقّ فريد هذا الرحيل المُبَكِّر المجنون. لم نرغب أن يفارقنا، لأنّنا لم نتناول معه رشفة اللقاء الأخير؛ فهو باقٍ في ذاكرتنا، وشوقنا إليه يتّقد على شموع الأسى، ليبقى ذكره متوهّجًا في الذاكرة. غطّته الحياة الأبديّة برداء الملكوت السماوي، وسجّاه الربّ الإله إلى جانب الآباء والقدّيسين. تعازيَّ إلى والدته، أخويه أسامة ووليد، وإلى أسرة زوجة الخال الراحل إبراهيم دُر في أمريكا.

 

 

الكاتب مارون عزام