بين الحوار السِّياسي وشَرعَنة المُمَارسة السِّياسيَّة
الكاتب : الدكتور عاطف أنيس عبود - شفاعمرو
تُثير الدَّعوات إلى التَّعاون بين مختلف القوى السِّياسية العربية في إسرائيل، ولا سيّما دعوة الدكتور منصور عباس إلى اعتماد «ميثاق شرف» مشترك، سؤالًا جوهريًّا يتجاوز مسألة التَّعاون الانتخابي أو التَّنسيق المرحلي: هل يمكن بناء إطار سياسي مشترك من دون أن يتحوَّل هذا الإطار إلى وسيلة لطمس الفوارق الجوهرية بين الرُّؤى والمواقف والثَّوابت؟
لا خلاف على أنَّ الحوار بين القوى السِّياسية ضرورة، وأن التَّعاون في القضايا المُشتركة قد يكون مطلوبًا ومفيدًا، خصوصًا في مواجهة العُنف والجريمة والعنصرية والتَّمييز، وفي الدِّفاع عن حقوق المواطنين العرب ومصالحهم المدنية والاجتماعية والاقتصادية. كما أنَّ الاختلاف السِّياسي لا يُبرِّر التَّخوين أو القَدْح أو التَّحريض، ولا ينبغي أن يتحوَّل التَّنافس الانتخابي إلى معركة تهدم إمكانية العمل المشترك في اليوم التّالي للانتخابات.
الحوار شيء، وشرعنة النَّهج السِّياسي شيءٌ آخر.
فالتَّعاون لا يعني إلغاء الفوارق، والوَحْدة لا تعني تذويب المواقف، وميثاق الشَّرف لا ينبغي أن يتحوَّل إلى مِظَلَّةٍ تمنح شرعية سياسية تلقائية لكلِّ نهج، مهما اختلف في رؤيته للهُوِيَّة الفلسطينية، ولتاريخ هذه البلاد، ولمكانة المواطنين العرب وحقوقهم الجماعية، وللعلاقة بين المواطنة والانتماء الوطني.
هناك فروق حقيقية بين التَّيارات والقوائم السِّياسية العربية، وهذه الفروق ليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها بِشِعَار عام عن «الوَحْدَة». إنها تَمُسُّ أسئلة أساسية: من نحن؟ كيف نقرأ تاريخنا؟ ما الحقوق التي نتمسك بها؟ وما حدود العمل السياسي الذي نقبل به في علاقتنا مع مؤسَّسات الدَّولة والحكومات الإسرائيلية؟
ومن هنا، فإنَّ أيَّ «ميثاقُ شَرَفٍ» جِدٍّيٍّ يجب أن يبدأ أولًا بالاعتراف بهذه التَّعدُّدية السِّياسية والفكرية، وأن يُحدِّد بوضوح ما يمكن الاتفاق عليه وما يبقى موضع خلاف. أمَّا استخدام مفهوم الوَحْدَة لتغطية خلافات جوهرية، فقد يُؤَدِّي إلى إرباك النَّاخب وطَمس الحدود بين مشاريع سياسية تختلف في قضايا أساسية.
ولا يمكن فصل هذا النِّقاش عن تاريخ المجتمع العربي الفلسطيني في هذه البلاد، وعن ذاكرته الجماعية وانتمائه الوطني. فنحن لسنا مُجَرَّد أفراد يحملون مواطنة قانونية في دولة؛ نحن أيضًا جزءٌ حيٌّ وواعٍ وفاعل من الشَّعب العربي الفلسطيني، نحمل ذاكرته وتاريخه وانتماءه، وفي الوقت نفسه مواطنون نطالب بالمساواة الكاملة وبحقوقنا المدنيَّة والجماعية من دون أن تكون هذه المواطنة مشروطة بمدى الولاء للمُؤَسَّسة الصَّهيونية الحاكمة أو بالتَّخلي عن هُوِيَّتِنا وروايتنا التَّاريخية.
المواطنة حق، وليست امتحان ولاء
ولهذا فإنَّ السؤال المسؤول ليس: هل نحن مع الوَحْدَة أم ضِدَّها؟ بل: أيَّ وَحْدَةٍ نريد؟ وعلى أيِّ أساسٍ تقوم؟ وما حدودها؟ وما الثَّمن السِّياسي والفكري الذي يُطلب دفعه باسمها؟
الوَحْدَة الحقيقية لا تلغي الاختلاف، والتَّعاون لا يقتضي التَّنازَل عن الثَّوابت. بل إنَّ احترام التَّعَدُّدية يفرض أن تكون الفوارق واضحة أمام الجمهور، وأن يعرف النَّاخب أين تقف كل قائمة من القضايا الأساسية، وخصوصًا في فترة انتخابية يُفترض أن تكون فيها المواقف أكثر وضوحًا، لا أقل.
وفي الوقت نفسه، يمكن الاتِّفاق على قواعد أخلاقية وسياسية مُشتركة تحفظ المجال العام من الانحدار إلى التَّخوين والتَّحريض: نعم للحِوار، لا للقَدْحِ والتَّشهير؛ نعم للتَّنافس السِّياسي، لا لإهدار الأصوات؛ نعم للتَّعاون في مواجهة الجريمة والعنف والعنصرية والتمييز؛ ونعم للحفاظ على الثَّوابت الوطنية والهُوِيَّة الفلسطينية والحقوق المدنية والجماعية.
كما ينبغي أن يبقى الأفُق السِّياسي واضحًا: السَّعيُ إلى سلامٍ عادلٍ يقوم على حق الشَّعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال وسياسات التَّمييز والفصل، وعلى حل سياسي يضمن للشَّعبين حياةً حُرَّة وآمنة وكريمة. فمواجهة العُنف لا تنفصل عن مواجهة أسبابه السِّياسية والاجتماعية، والسَّلام الحقيقي لا يُبنى بإنكار حقوق أحد الشعبين أو روايته أو وجوده.
أمَّا القيم الإنسانية والاجتماعية التي تجمعنا — ككرامة الإنسان، واحترام الآخر، والعدالة، والمساواة، ورفض العُنف والعنصرية — فهي ليست بديلًا عن ثوابتنا الوطنية، بل يجب أن تكون الإطار الأخلاقي الذي يحكم اختلافنا السِّياسي.
نعم لميثاق شرف يحمي الحِوَار، ويمنع التَّحريض والتَّخوين، ويحترم إرادة النَّاخب.
لكن لا لميثاق يمحو الفوارق بين المشاريع السِّياسية، أو يُحوِّل الوَحْدَة إلى شَرْعَنَة لنهجٍ نختلف معه في قضايا الهُوِيَّة والتَّاريخ والحُقوق الوطنية.
نريد وَحْدةً تحترم الاختلاف، لا وَحْدَةً تُلغيه؛
وتعاونًا يحفظ الثَّوابت، لا تعاونًا يعيد تعريفها؛
ومواطنةً قائمة على الحقوق والمساواة، لا على امتحانات الولاء.






