الصّلاح في نظر يسوع - متى ٩: ٩- ١٣
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا
"فَلَمَّا رَأَى الفِرِّيسِيُّونَ ذَلِكَ، قَالُوا لِتَلَامِيذِهِ: لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُم مَعَ الجُبَاةِ وَالخَاطِئِينَ؟" (١١). "فَهَلَّا تَتَعَلّمُونَ مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّمَا أُرِيدُ الرَّحمَةَ لَا الذَّبِيحَةَ، فَإنِّي مَا جِئْتُ لِأَدعُوَ الأبرَارَ، بَل الخَاطِئِينَ" (١٣).
٩. ومضى يسوع فرأى في طريقه رجلا جالسًا في بيت الجباية يقال له متى، فقال له: اتبعني! فقام فتبعه.
١٠. وبينما هو على الطعام في البيت، جاء كثير من الجباة والخاطئين، فجالسوا يسوع وتلاميذه.
١١. فلما رأى الفريسيون ذلك، قالوا لتلاميذه: لماذا يأكل معلمكم مع الجباة والخاطئين؟
١٢. فسمع يسوع كلامهم فقال: ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى.
١٣. فهلا تتعلمون معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة، فإني ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين.
"فَلَمَّا رَأَى الفِرِّيسِيُّونَ ذَلِكَ، قَالُوا لِتَلَامِيذِهِ: لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُم مَعَ الجُبَاةِ وَالخَاطِئِينَ؟" (١١).
الفريسيون طبقة في الشعب مترفعة. ينظرون إلى غيرهم من فوق. هم طاهرون، وغيرهم خاطئون. فكيف يأكل يسوع مع الخاطئين؟ الخاطئ يرى خطأ في كل خير يصنعه غيره. لأن الخطيئة فيه، فلا يرى إلا الخطيئة. ويظن نفسه أنه من الصالحين والأبرار.
الصلاح هو أن ترى في غيرك أمثالك، بل إخوة لك. الصلاح هو إزالة كل الحدود التي تقيمها الخطيئة بينك وبين إخوتك، وأولها كبرياؤك وظنك أنك أفضل من أخيك. أخوك يعترف أمام الله ويقول: يا رب ارحمني. وأنت تقول: يا رب، أنا بار لست خاطئًا، - والخطيئة معششة فيك. خطيئة احتقار أخيك. أيها المرائي طهر نفسك أولا، اعرف نفسك أولا. حتى تتواضع أمام ربك، وفي تواضعك يمكنك أن ترى في أخيك أخًا لك، على صورة الله. الله صنعه على صورته، وأنت تحتقره؟ أنت تومن بالله؟ إيمانك ليس إيمانًا بالله، بل بنفسك، وبطبقتك، وبتعاليمك، لكن الله غائب تمامًا عنك. أنت تعبد نفسك، ولهذا تحتقر أخاك.
"فَهَلَّا تَتَعَلّمُونَ مَعنَى هَذِهِ الآيَةِ: إنَّمَا أُرِيدُ الرَّحمَةَ لَا الذَّبِيحَةَ، فَإنِّي مَا جِئْتُ لِأَدعُوَ الأبرَارَ، بَل الخَاطِئِينَ" (١٣).
"أُرِيدُ الرَّحمَةَ لَا الذَّبِيحَةَ". يريد الله أن يرحم الإنسان. هذا هو هدف الخلق. هذه هي العلاقة الأساسية بين الله والإنسان. الله يريد رحمة الإنسان، رحمة البارِّ إن عرف نفسه، أنه خليقة الله، وتواضع أمام الله خالقه. ويريد رحمة الخاطئ حتى يتوب ويعود إليه. الطاهر والنقي هو الذي يعرف نفسه فقيرًا إلى الله، في كل حال. الجباة خطـأة يعترفون بخطيئتهم. والفريسيون خطأة لا يعترفون بخطيئتهم. ويسوع أتى للجميع، ورحمته للجميع، أما إن رفضها الإنسان، فهو في حال الخطيئة التي قال فيها يسوع: إن من جدف على الروح القدس فلا يُغفر له. من وضع نفسه محل الله، والذي يقول أو يتصرف كذلك، فهو يبعد نفسه عن رحمة الله. رحمة الله واسعة تسع الجميع، لا تستثني أحدًا، إلا من يستثني نفسه بكبريائه.
الله رحيم، يطلب منا أن نكون رحماء. قبل تقديم الذبائح وتلاوة الصلوات الكثيرة يقول لنا: كونوا رحماء كما أنا رحيم. والرحمة مثل قداسة الله. كما يقول الله لكل واحد: كونوا قديسين لأني أنا قدوس، يقول لنا: كونوا رحماء كما أني رحيم. تعلموا ما معنى أني لا أريد الذبيحة بل الرحمة.
افحص ضميرك وانظر ما الذي يسود في نفسك، الرحمة أم الكبرياء تجاه أي أحد من إخوتك. حتى إذا وجدت الرحمة فيك غائبة تجاه أي واحد من إخوتك، تنتبه، وتعرف أنك بعيد عن الله، وعن رحمة الله، بالرغم من كل أعمال أخرى قد تكون صالحة. وإن عرفت نفسك بعيدًا عن الله، اجتهد وارجع إلى الله مستغفرا طالبًا الرحمة.
ربي يسوع المسيح، علمني أن أعرف نفسي. جئت للفقراء والخطأة، أنا منهم. علِّمْني أن أسير معك، وأكون في حياتي كلها راحمًا لجميع إخوتي. آمين.
الاثنين ٢٣/١/٢٠٢٣





