الأسبوع الثاني من المجيء/أ - متى ٥: ٨-٩

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – بطريرك القدس للاتين سابقا

. طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله. ٩. طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يدعون

الأسبوع الثاني من المجيء/أ - متى ٥: ٨-٩

"طُوَبى لِأَطهَارِ القُلُوبِ فَإِنَّهُم يَشَاهِدُونَ الله. طُوبَى لِلسَاعِينَ إلَى السَّلَامِ فَإنَّهُم أَبنَاءَ الله يُدعَوْنَ" (٨-٩). 

     وِجهتُنا الميلاد. سر الميلاد، ما نراه بأعيننا، الطفل والمغارة ومريم ويوسف. وما لا نراه، كلمة الله الأزلي الذي ظهر في صورة طفل. ما نراه، فرح الميلاد، وما لا نراه، نعمة الله المعطاة لنا في كلمة الله الأزلي الذي صار إنسانًا مثلنا.

وِجهتُنا أيضا، تأملنا في التطويبات: طوبى لأطهار القلوب، وطوبى لصانعي السلام.

القلوب الطاهرة، التي يسكنها الله، المتنبهة، الحاضرة أمام الله. التي تجاهد كل مَيْل في ذاتها ليس إلى الله، لتبقى مع الله. التي لا تُبقِي في ذاتها أي عائق من عوائق الأرض، يمنعها من رؤية الله.  القلوب الطاهرة قلوب حرة، منطلقة إلى ربها. كل أشواقها إليه. طوبى لها لأنها تشاهد الله. لأنه يُعطَى لها أن تشاهد الله، فتجد سعادتها فيه.

        أَنظر إلى قلبي. وأَنزل في أعماق قلبي: هل هو طاهر لا قيد فيه، ولا عائق فيه، ولا أرض فيه؟ هل هو مكان لله فقط؟ أم أمور كثيرة تسكنه، أشواق ورغبات وهموم، وأسوأ من ذلك رفضٌ لله، أو رفضٌ للإخوة؟ حياتنا جهاد ومعركة مستمرة، لتنقية كل عشبة ضارة يمكن أن تنبت في قلبي. ما زالت حياتي معركة، فهي متجهة نحو الله، وهي طاهرة. الضعف هو الاستلام، هو التعب من السير نحو الله، من مصارعة ما ليس لله في نفسي.

لنسأل الله أن يحمينا من ضعف نفسنا. وأن يأخذ بيدنا لنبقى سائرين إليه، أشواقُنا إليه، فنستحق أن نراه، ويكون قلبنا عامرًا بمحبته ومحبة كل إخوتنا.

"طُوَبى لِأَطهَارِ القُلُوبِ فَإِنَّهُم يَشَاهِدُونَ الله". 

"وطُوبَى لِلسَاعِينَ إلَى السَّلَامِ فَإنَّهُم أَبنَاءَ الله يُدعَوْنَ".

        السلام في النفس، السلام الذي يمنحه الله، الذي هو استقرار وطمأنينة في مشاهدة الله. السلام المنبثق من القلوب الطاهرة، الناظرة إلى الله خالقها.

        وبناء على سلام الله، صنع السلام الذي يسعى الناس إليه. لكنهم يطلبون السلام فيصنعون الحروب. يطلبون السلام ويجدون الموت. ويبقون في نزاعات كثيرة. طوبى لصانعي السلام بين الناس، وبين الشعوب. السلام الذي هو رؤية صورة الله في كل إنسان.

طوبي لصانعي السلام، مثل السلام الذي أنشده الملائكة ليلة بيت لحم، هو سلام على الأرض مرتبط بمجد الله في العلى. وسلام مثل السلام الذي وعد به يسوع المسيح لما قال: سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم. لا سلام مبنيّ على سلاح، وعلى موت الآخر، بل سلام مؤسس على نعمة من الله، أبي السلام، وعلى جهود ولو مضنية لرؤية صورة الله في الذات، وفي كل إنسان. السلام الذي يسعى إليه كل السائرين على طرق الله، يقاومون الموت، والمظالم، وكل عذاب يفرضه الإنسان على أخيه الإنسان.

        صانعو السلام يُدعَوْن أبناء الله.

        ربي يسوع المسيح، يوم ولدت أنشد الملائكة بعهد جديد للبشرية، عهد سلام ومحبة. ولما بذلت حياتك على الصليب في سبيل البشرية، صنعت السلام الذي به يحيا الإنسان. علِّمْنا أن ندخل طرق السلام، وأعطنا أن نصنع السلام الذي منحتنا أنت إياه، سلامًا في أعماق نفوسنا، سلاما لشعوب الأرض كلها، وسلامًا في أرضنا المقدسة. آمين.

السبت ١٠/١٢/٢٠٢