ابنة يافا الفنانة فيرا تماري تطلق كتابها "العودة المتخيلة: ذكريات عائلة فلسطينية في النقوش الطينية والصور والنصوص"
القيامة - أطلقت الفنانة الفلسطينية فيرا تماري، كتابها "العودة المتخيلة: ذكريات عائلة فلسطينية في النقوش الطينية والصور والنصوص" الذي ألفّته بالإنكليزية، الأسبوع الماضي في متحف جامعة بيرزيت بحضور جمهور من الأصدقاء والمتابعين.
وعادت تماري إلى العام 1989، حين كانت تنتج لوحات فخاريّة مستوحاةً من صور عائلتها في يافا، ومن وحي هذه الصور كتبت، وقتذاك، قصتين غير مكتملتين، وكأنهما نوبات شعورية إزاء الشخوص التي تسكن هذه الصور، قبل أن يتجمد المشروع لسنوات طويلة، حتى تقاعدت، وأجبرها كما غيرها، فيروس "كورونا" وتداعياته، على التزام المنزل، في زمن الحجْر الصحي، ما تواصل الهاجس لديها، طوال الوقت، بضرورة إتمام مشروعها الكتابي الذي بدأته في ذلك العام، مشيرةً إلى أنها قدمت العام الماضي لمنحة مؤسسة "آفاق"، وحصلت عليها لاستكمال مشروع كتابها هذا، الذي عبّرت عن سعادتها بإطلاقه من المتحف الذي ساهمت في تأسيسه العام 2005.

وأشارت تماري إلى أن مشروع اللوحات الفخارية كان عبارة عن خمس عشرة لوحة مستوحاة من خمس عشرة صورة عائلية، اختارتها من أرشيف والدها فائق تماري، ويتضمن مجموعة هائلة من الصور الفوتوغرافية، ويمكن عند تحليلها التوصل إلى مدى التنوع والثراء فيها، ما بين الشخصي والعائلي والمجتمعية والعامة، علاوة على تلك الصور التي تعبر عن الطبقة الوسطى في مجتمع المدينة الفلسطينية ما قبل النكبة، وهي صور بالمئات بعضها يتناول الأحداث السياسية المحورية التي مرّت على فلسطين منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى العام 1948.. "لم تكن الصور موثقة بطريقة جيّدة، لكن أتذكر الكثير من حكايات والدي عنها ووصفه لها".
وكان ثمة عوامل عدّة وراء الصور التي اختارتها فيرا تماري كنقاط ارتكاز للسرد الكتابي في هذا المرجع الذي يمكن الإبحار فيه من الخاص إلى العام بلا عوائق، ومن بينها تلك الروابط الحسيّة ما بينها وبين هذه الصور، والصور التي تكشف عن أمور ما مثيرة وغير تلك الدارجة عن المجتمع الفلسطيني، ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وأخرى حول شخصيات تعرفها، مشيرة إلى أن ثمة "شعوراً رومانسياً" تملكها عند اختيار بعض الصور التي بنت نصوص كتابها عليها، كما صورة جدها وجدتها، وكانت معلّقة من بين ثلاث صور تعلوها ومحاورها الكاتب رجا شحادة في قاعة متحف بيرزيت.
واعترفت تماري أن أكثر صورة مؤثرة من بين صورة الكتاب، هي تلك الصورة التي كانت تعلوها مباشرة، وهي صورة لوالدتها مارغو نيقولا دبّاس في العام 1939 أمام منزل عائلتها في يافا، وتحديداً في حي العجمي، وكانت مخطوبة لوالدي.. "لا أدري من التقط لها هذه الصورة، ربما يكون والدي بكاميراته من طراز (رولي فليكس).. تشكل هذه الصورة لحظة انتقالية فارقة في حياة والدتي من منزل أسرتها إلى منزل الزوجية رفقة والدي"، متحدثة في الكتاب كما في احتفالية إطلاقه عن تلك المطوية الصغيرة التي كانت كتبتها والدتها ليلة زفافها، واحتفظت فيها بتعليقة فضيّة، وأعربت من خلالها عن تفاؤلها بأن حياتها القادمة ستكون أفضل وأجمل"، مشيرة إلى أن ثمة الكثير من التقاطعات على المستوى الحسّي وعلى المستوى السلوكي ما بينها وبين والدتها، خاصة ما يتعلق بالرومانسية والمثالية في الحياة.
وكشفت تماري، وهي واحدة من أبرز الأسماء المؤسسة لحركة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر، عن أنها ستواصل العمل في ذات الإطار، ولكن عبر الرسم، والفنون البصرية، ومن خلال ما يمكن وصفه بالارتماء في أحضان الفن المعاصر والحداثة على المستويين التقني والرؤيوي.
وحول التسمية بالإنكليزية (Returning)، وكان أشاد به د. بشارة دوماني، رئيس جامعة بيرزيت في كلمة له بحفل إطلاق الكتاب باعتباره فعلاً يعكس حالة من الاستمرارية، قالت تماري: عندما كنت أتوجه إلى يافا، كنت أشعر أن الزمن توقف عندما هجر أصحاب البيوت بيوتهم قسراً، وسكنها الغرباء، الذين باتوا هم من يتجولون في الحارات، ويستوطنون الشواطئ.. لو لم تحدث "النكبة"، لاستمرت حياتنا نحن كعائلة في يافا، وغيرنا في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية المحتلة في العام 1948، وهو ما رصدته تخيّلاً في أحد فصول الكتاب، تارة لرجل على الشرفة (البلكون) يدخن سيجارته في الصباح، بينما تحضر امرأة أبناءها على عجل ليتوجهوا إلى مدارسهم، كما ترى والدها يرتدي ما يتناسب لمشاركته في حفلة تنكرية.
ورغم اعترافها بأنها "ليست كاتبة"، لكنها أكدت على متعة كانت ترافقها طوال كتابة فصول "العودة المتخيلة"، حيث كانت السلاسة سيدة الموقف، فلم تعاني من عسر سردي بالمطلق، وهو ما لم تكن تتوقعه، متحدثةً عن جارهم إيرنست أبكاريوس، وحكاياته وأولاده المجهولة، هو الذي كانت خرجت بلوحة نحتية نقلاً عن صورة له ولزوجته وابنيه على درج منزلهم في القدس، قبل أن تتمكن من التواصل بعد ما يشبه حالة من فقدان الأمل بالحصول على أي معلومات عنهم، مع شقيقتهم التي تصغرها وتحمل ذات اسمها "فيرا"، والتي زودتها بحكاية عائلتها من حيث باتت تعيش في كندا، بينما كان الجار "إيرنست" ما بعد النكبة، المترجم الرسمي من العربية للإنكليزية والعكس للحكومة الكويتية، فصاغت الحكاية في الفصل السابع من الكتاب بطريقة أقرب إلى نمط القصة البوليسية، أو الألغاز السردية.


وكان الكاتب رجا شحادة قدّم للكتاب في حفل إشهاره، بالقول: في الفترة الأخيرة، صدرت عدّة كتب تعالج الحياة العائلية في يافا وغيرها من بلدان فلسطين ما قبل النكبة، إلا أن كتاب فيرا تماري يعالج هذا الموضوع بشكل مُغاير ومتميّز، هي التي دمجت في العديد من مشاريعها الفنيّة سابقاً، كما في هذا الكتاب، ما بين تسليط الضوء على حياتها العائلية وما بين الحديث عن الموروث الفلسطيني، لافتاً إلى أنها عمدت في كتابها هذا إلى رواية قصة تلك الشخصيات في الصور العائلية التي جمعتها، مركزة على الشخصيات ذات السمات الأكثر شموليّة.
وكشف شحادة أن والد فيرا، فائق تماري، يهوى التصوير، ويجمع صوراً من غيره، ومن خلال تفحص وتمحيص هذه الصور، اشتغل مخيال فيرا، وبدأت تكتب ما يجول في خاطرها في محاكاة لهذه الصور وشخوصها، فكان كتاب "العودة المتخيلة: ذكريات عائلة فلسطينية في النقوش الطينية والصور والنصوص"، الذي يجمع ما بين الفن المرئي وفن الكتابة، ما يجعل منه عملاً مهماً ومتكاملاً.
ونوّه شحادة إلى المستوى الرفيع للكتاب، وتتوفر نسخه في المكتبة العلمية بالقدس، لجهة الطباعة والمواد المستخدمة في إنتاجه، علاوة على تصميمه الخارجي والداخلي.
ويتكون الكتاب من عشرة فصول: "النزوح القاسي"، و"الأب وأصدقاؤه المخلصون في يافا"، و"نزهة في الخليل"، و"في الشرفة"، و"أحلام غير محققة"، و"امرأة عند الباب"، و"من هو إيرنست؟"، و"العطلة غير العادية"، و"لعبة البطاقة الصينية لامرأتين من يافا"، و"الترحيل".
المادة من يوسف الشايب نقلا عن صحيفة "الأيام" الفلسطينية، والصور من صفحة متحف بير زيت









