أَوَما أَنتُم في ضَلال، لِأَنَّكم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله؟ مرقس ١٢: ١٨-٢٧
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس
١٨وأَتاه بَعضُ الصَّدُّوقِيِّين، وهُمُ الَّذينَ يَقولونَ بِأَنَّه لا قِيامَة، فسأَلوه: ١٩«يا مُعَلِّم، إِنَّ موسى كَتَبَ علَينا: «إِذا ماتَ لِامرِئٍ أَخٌ فتَركَ امرَأَتَه ولَم يُخَلِّفْ وَلَدًا، فَلْيَأْخُذْ أَخوهُ المَرأَةَ ويُقِمْ نَسْلًا لِأَخيه». ٢٠كانَ هُناكَ سَبعَةُ إِخوَة. فأَخَذَ الأَوَّلُ امرَأَةً ثُمَّ ماتَ ولَم يُخَلِّفْ نَسْلًا. ٢١فَأَخَذَها الثَّاني ثُمَّ ماتَ ولَم يُخَلِّفْ نَسْلًا. وكَذٰلكَ الثَّالث. ٢٢ولَم يُخَلِّفِ السَّبعَةُ نَسْلًا. ثُمَّ ماتَتِ المَرأَةُ مِن بعدِهم جَميعًا. ٢٣ففي القِيامَةِ حين يَقومون، لأَيٍّ مِنهم تكونُ امرأَةً؟ فقَدِ اتَّخَذَها السَّبعَةُ امرَأَة. ٢٤فقالَ لَهم يسوع: «أَوَما أَنتُم في ضَلال، لِأَنَّكم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله؟ ٢٥فَعِندَما يَقومُ النَّاسُ مِن بَينِ الأَموات، فلا الرِّجالُ يَتَزَوَّجونَ ولا النِّساءُ يُزَوَّجْنَ، بل يَكونونَ مِثلَ المَلائِكَةِ في السَّمٰوات. ٢٦وأَمَّا أَنَّ الأَمواتَ يَقومون، أَفَما قرأتُم في كِتابِ مُوسى، عِندَ ذِكْرِ العُلَّيقَة، كيفَ كَلَّمَه اللهُ فقال: أَنا إِلهُ إِبْراهيم، وإِلهُ إِسْحق، وإِلهُ يَعقوب. ٢٧وما كانَ إِلهَ أَمْوات، بل إِلهُ أَحْياء. فأَنتُم في ضَلالٍ كَبير.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران، واشتدت الحرب على جنوب لبنان.
"بِالرَّبِّ يَفرَحُ البارُّ وبِه يَعتَصِم، وجَميعُ القُلوبِ المُستَقيمةِ بِه تَفتَخِر" (مزمور ٦٤: ١١). ارحمنا، يا رب. يا رب، نحن فقراء، خطأة، لكنك تغفر لنا وتقيمنا وتعطينا قوتك وقداستك. أيها الرب القدوس الصالح القوي الذي لا يموت، لا تنظر إلى خطايانا، بل إلى إيمان كنيستك. انظر إلى حبك، يا رب. ونجنا من كل شر، ومن الحرب. أرجع هذه الأرض إلى قداستها، وأعطنا السلام الذي لا يقدر العالم أن يعطينا إياه. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم
لنقرأ المثل أعلاه، قبل متابعة تأملنا.
مرة أخرى، "كبار هذه الأرض والعلماء" يقتربون من يسوع، لا، ليتعلَّموا بل ليمتحنوه ويحرجوه. يسوع أجابهم، وصحح أفكارهم عن الحياة الأبدية، ووضعهم في مكانهم أولا: "«أَوَما أَنتُم في ضَلال، لِأَنَّكم لا تَعرِفونَ الكُتُبَ ولا قُدرَةَ الله؟"
الحياة الأبدية ليست حياة الجسد، بل حياة الروح. ستقوم الأجساد، نؤمن بقيامة الجسد، لكن ليس للرجوع إلى قيم الأرض والجسد. الحياة الأبدية هي حياة الله: "يكونونَ مِثلَ المَلائِكَةِ في السَّمٰوات" (٢٥). ستكون حياة الله، حياة الملائكة، الحياة الوافرة للإنسان، المحررة من كل ثقل وقيود الأرض.
قال يسوع المسيح: الحَياةُ الأَبدِيَّة هي أَن يَعرِفوكَ، أَنتَ الإِلٰهَ الحَقَّ وحدَكَ، ويَعرِفوا الَّذي أَرسَلتَه يَسوعَ المَسيح" (يوحنا ١٧: ٣).
ويقول لنا القديس بولس عن الحياة الأبدية: "فنَحنُ اليومَ نَرى في مِرآةٍ رُؤيَةً مُلتَبسَة، وأَمَّا في ذٰلك اليَوم فتَكونُ رُؤيَتُنا وَجْهًا لِوَجْه. اليَومَ أَعرِفُ مَعرِفةً ناقِصة، وأَمَّا في ذٰلك اليَوم فسَأَعرِفُ مِثْلَما أَنا مَعْروف" (١ قورنتس، ١٣: ١٢).
والقديس يوحنا في رسالته الأولى يقول:
"نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله، ولم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه، لِأَنَّنا سَنَراه كما هو" (١يوحنا ٣: ٢).
الحياة الأبدية هي حياة الله، بعد محن الأرض، بعد "الجهاد الحسن" الذي جاهدناه، سنجد حياة الله، الذي لا يصفه كلام بشري. هو ملء الحياة، هو أمر آخر غير كل ما هو واقع الأرض.
كلَّفنا الله بالأرض لنشتغلها، ولنجاهد فيها ونستجيب لحبه فيها، لنصير فيها مستحقين بجهودنا وحريتنا. والله أوحى إلينا بابنه الحبيب يسوع المسيح بكلمات بشرية ماذا ستكون الحياة الأبدية.
الأرض نحن مكلَّفون بها لنصنع منها مقامًا يليق بأبناء الله. لنجاهد فيها الجهاد الحسن، ونظرنا مَثَبَّتٌ في قداسة الله أبينا. في حياتنا على الأرض أمران: جهاد مع ثقل الأرض وخطيئتها، وبداية مشاهدة الله. نبدِّلُ الأرض ونبدِّلُ أنفسنا، حتى تصير كل مواقفنا مواقف أبناء الله.
لنتذكر دائمًا قول الله لنا: كونوا قديسين لأني أنا إلهكم قدوس. وقول يسوع المسيح: كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل.
ربي يسوع المسيح، حياتنا على الأرض صعبة، هي جهاد مع الشر الذي فينا والشر الذي في إخوتنا وأخواتنا. علِّمنا، كن سندًا لنا، حتى نصير قديسين وكاملين كما أن أبانا السماوي هو قدوس وكامل. آمين.
الأربعاء ٣/٦/٢٠٢٦ بعد الأحد التاسع من السنة







