أبونا ماهر كلمة وداع..

الكاتب : الدكتور بسام عاطف عبود – رئيس سرية الكشاف المسيحي الأولى في شفاعمرو

الموت حقٌّ مكروه، والفراقُ صعبٌ مرير. الموتُ نهايةُ رحلتنا الأرضيةُ الفانية. ولا بدّ أنّه ملاقينا يومًا، إن عاجلاً، أو آجلاً.

أبونا ماهر كلمة وداع..

أبونا ماهر أيّها الكاهن الجليل، اسم على مُسَمّى. كنت إنسانًا يشِعُّ اتِّضاعًا، محبّة ووقارًا. أقوالُك نِعَمٌ وأفعالك سِيَرٌ وآثارُك غُرَرٌ. وألفاظُك دُرَرٌ. ومعاليك تُباهي النُّجومَ ارتفاعًا، ومكارمُك تُضاهي الجوَّ اتِّساعا، ومحاسِنُك تباري الشّمس إشراقًا. فقد احترق قلبك، وكجذع الزيتون أطلقت أغصانًا غضّةً، تلامِذَة جهابذَة ملأوا الأرض انتشارًا.

كنت كريمًا، عزيز النّفس شهمًا. خِلًّا وفيّا، إنسانًا صادقًا. وكم بذلت وأعطيت، فتعجّب الأنام. روحُك الحُلوة العذبة فارقتنا خِلسةً وبهدوءٍ. لكن بشموخٍ وكبرياء. رَحلتَ وأنت مُبتسِمٌ، رغم ثِقَلِ المرضِ والمعاناة، والألم يعتصر قلبك لسنوات طوال وخاصّةً في الأربعة الأشهر الأخيرة. وعند السؤال كنت ترُدُّ "الحمد لله". أخالُك أنّك كنت تُرَدِّد بسكونٍ: لا أحبّك يا موت، لكنّي لا أهابك.

مرامُك في الحياة كان نَشْرُ الكلمة، وإسعاد العباد. لم تبحث يومًا عمّن يُساندُك. كنت تنظُرُ دائمًا إلى الأعلى وتقول: "عوني من عند الله، صانع السّموات والأرض". أعطيتَ من ذاتك بحيث لا تعرف يمينُك ما تصنَعُ شِمالُكَ، مرضاة لله.

كلمة وداع، هي واجب على الحيّ المُقيم، تجاه الرّاحل الكريم. كانت بيني وبين "أبونا ماهر" صلة خفيّة. استشرته في بعض فعاليّاتي الكشفيّة من أجل بناء الإنسان. فنشأت بيننا مودّة، وصِلةُ رغم فارق العُمر. تبادلنا الأفكارَ، وأخذت عنه لما له من خبراتٍ حياتيّة.

عارَك أبونا ماهر الحياة، عشرات السّنين. مع الأمل بانبثاق فجرٍ جديد. فمع زخّات المطر وانبعاث الدفء، تنبت البذور. لتقول لنا: "أنا ثمرة جهدكم. نعم أنا. أنا الثّمر الحيّ".

رحل أبونا ماهر ونحن بأمَسِّ الحاجة إلى خدماته الكهنوتيّة ونصائحه، وأفكاره النّبيلة. رَحَلْتَ أيّها الكاهن الجليل، وخلّفتَ وراءك رعايا، كنت قد خدمتها بمحبّةٍ وأمانةٍ وإخلاص. رحلت وتركت وراءك تلاميذك وأصدقاءك ومُحبيك الكثيرين. تركت فينا الحنان إليك، والمحبّة والاحترام والأمل والتّفاؤل والحياة. عهدت لنا بالمسؤوليّة، وقوّة العزيمة، واليقظة والبقاء على العهد. لتستمر مسيرة الخير والعطاء، ويسود الرُّقيُّ والسّلام والمحبّة.

نبكيك وأنتم تستحقون البكاء، أيّها الكاهن الجليل المعطاء. رحيلُك ليس خسارة لعائلتك المُحِبَّة، وللإكليروس الّذي كنت جزءًا منه فحسب، بل خسارة لكل من عرفك. غِبت عنّا بالجسد، لكن روحَك الطّاهرة ما زالت ترفرف بيننا، وذكراك تحيي قلوبنا وتنعش سُكونَنَا.

باسم سريّة الكشّاف المسيحيّة الأولى، وبإسمي، أتَقدّمُ من العائلةِ الكريمةِ، بأحرِّ التّعازي، سائلاً الباري، أن يتغمّد فقيدَنا الغالي بواسعِ رحمتِهِ، وأن يُلهِمَنا جميعنا من بعده الصّبرَ والسّلوان وحُسنَ العزاء. 

ليكن ذكره مؤبدًا.