آية يونان وتوبة نينوى - لوقا ١١: ٢٩-٣٢

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

٢٩ واحتَشَدَتِ الجُموعُ فأَخَذَ يقول: «إِنَّ هٰذا الجِيلَ جيلٌ فاسِدٌ يَطلُبُ آية، ولَن يُعْطى سِوى آيةِ يُونان. ٣٠فكما كانَ يونانُ آيةً لِأَهلِ نِينَوى، فكذٰلِكَ يَكونُ ابنُ الإِنسانِ آيَةً لِهٰذا الجيل. ٣١مَلِكَةُ التَّيمَنِ تَقومُ يَومَ الدَّينونَةِ مَعَ رِجالِ هٰذا الجيلِ وتَحكُمُ علَيهِم، لِأَنَّها جاءَت مِن أَقاصي الأَرضِ لِتَسمَعَ حِكمَةَ سُلَيمان، وهٰهُنا أَعظَمُ مِن سُلَيمان. ٣٢رِجالُ نِينَوى يَقومونَ يَومَ الدَّينونَةِ مع هٰذا الجيلِ ويَحكُمونَ علَيه، لِأَنَّهم تابوا بإِنذارِ يُونان، وهٰهُنا أَعظمُ مِن يُونان.

آية يونان وتوبة نينوى - لوقا ١١: ٢٩-٣٢

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرصنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة.

"الرَّبُّ عِزَّتي وتُرْسي، وعلَيه اتَّكَلَ قَلْبي، فنُصِرتُ وابتَهَجَ قَلْبي، وبِنَشيدي أَحمَدُه" (مزمور ٢٨: ٧). ارحمنا، يا رب. أنت "ِعِزَّتي وتُرْسي، وعلَيك اتَّكَلَ قَلْبي". أقاموا حلف سلام ليشرف على غزة، كلهم غرباء... حلف لاستعمار غزة، لمزيد من المذلة للإنسان في غزة. أرجع، يا رب، كل واحد إلى بيته وبلده، وليحترموا حرية الإنسان في غزة وكرامته. ارحمنا، يا رب.

 إنجيل اليوم

آية يونان وتوبة نينوى، وملكة التيمن تطلب حكمة سليمان. نينوي والتيمن/ملكة سبأ أو اليمن، أقوام غرباء.

كيف ننظر إلى الغرباء؟ كيف ننظر إلى من ليسوا من ديننا؟ لله لا أحد غريب. الكل أبناء الله وموضوع حبِّه. يمكن أن يجهلوا، يمكن ألا يعرفوا الإله الحقيقي، لكن الله يعرفهم. إنهم خليقته "وصُنعُ يديه"، وعلى صورته. وهو يحبهم.

       لله، لا أحد غريب، ولنا إذن لا أحد غريب، أيًّا كان، ومهما كانت ديانته أو قوميته. يمكن أن يكون صغيرًا أو كبيرًا، صالحًا أو شريرًا: الجميع خليقة الله وأبناء الله، والجميع إخوتي.

       بل أحيانًا، يمكن للغرباء، أو من نظنُّهم نحن غرباء، أن يتقدمونا في ملكوت السماوات. ملكة التيمن وثنية، ومدينة نينوى وثنية، نالتا الخلاص، ويقول يسوع إن مصيرهم في الدينونة الأخيرة أفضل من مصير أهل البيت.

       يوحنا المعمدان أشار إلى هذا لما قال للفريسيين: "لا يَخطُرْ لَكم أَن تُعَلِّلوا النَّفْسَ فتَقولوا: إِنَّ أَبانا هُوَ إِبْراهيم. فإِنِّي أَقولُ لَكم إِنَّ اللهَ قادِرٌ على أَن يُخرِجَ مِن هذِه الحِجارَةِ أَبناءً لإِبراهيم" (متى ٣: ٩). الله اختارنا وأحبَّنا، لكن، نحن من جهتنا يجب أن نكون على مستوى الاختيار، على مستوى حب الله لنا. لا يكفي أن ننتمي إلى عائلة الله، إلى الكنيسة، لكي نخلُص. يجب أن يخترق إيماننا عمقَ كياننا فنتوب توبة كاملة، وتصير حياتنا حبًّا مثل حب الله، وحبًّا لجميع الإخوة ولا نفرِّق، ولا نعرف الحدود لا في الديانة ولا في القومية.

       البشرية خلقها الله عائلة واحدة. يمكن للبعض أن يضِلّوا، لكنهم يبقون أعضاء في العائلة الواحدة. فنُحِبُّهم، كما يحبهم الله. ونبذل كل جهدنا لكي ندُلَّهم على طريق الخلاص، ووحدة العائلة البشرية.

       الله وحده هو الديان. وهو وحده يعرف يوم الدينونة. ينطبق هذا على زمننا وعلى الحرب التي نحن فيها. في حروبنا، الله أيضًا هو الديان. وهو وحده يعرف اليوم الذي سيتدخل فيه ليحكم وليشفي البشرية. ومن ثم، علينا أن نبقى في حالة إصغاء، لنرى ونفهم العلامات التي يُظهِرُها لنا، ونوفق بين أعمالنا وعمل الله خالقنا وأبينا.

       العلامة الكبرى التي يعطينا إياها الله هي يسوع المسيح ابنه الحبيب. "وهٰهُنا أَعظَمُ مِن سُلَيمان... وهٰهُنا أَعظمُ مِن يُونان". العلامة الكبرى هي هذه: يسوع المسيح كلمة الله صار إنسانًا، جاء بيننا وكلَّمنا وعلَّمنا، وأحبنا، جميعًا. ومات من أجلنا. حبه هو الذي يخلصنا. ويطلب منا جوابنا، أن نحبه كما أحبنا.

       نحن من عائلة الله، نحن أبناء الله، والبشرية كلها عائلة واحدة وإخوة.

ربي يسوع المسيح، غير المؤمنين كثيرون، والذين آمنوا ثم ابتعدوا كثيرون. ربي يسوع المسيح، أعطنا أن نؤمن، وأن نبقى واحدًا معك، ومع كل إخوتنا وأخواتنا. آمين.

الأربعاء ٢٥/٢/٢٠٢٦                       بعد الأحد الأول من الصوم