ما جِئْتُ لِأُبْطِل، بَل لِأُكْمِل - متى ٥: ١٧-١٩

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس

١٧ لا تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لِأُبْطِلَ الشَّريعَةَ أَوِ الأَنْبِياء: ما جِئْتُ لِأُبْطِل، بَل لِأُكْمِل. ١٨الحَقَّ أَقولُ لَكم: لن يَزولَ حَرْفٌ أَو نُقْطَةٌ مِنَ الشَّريعَة حَتَّى يَتِمَّ كُلُّ شَيْء، أَو تزولَ السَّماءُ والأَرض. ١٩فمَن خالفَ وَصِيَّةً مِن أَصْغَرِ تِلكَ الوَصايا وعَلَّمَ النَّاسَ أَن يَفعَلوا مِثْلَه، عُدَّ الصَّغيرَ في مَلَكوتِ السَّمَوات. وأَمَّا الَّذي يَعمَلُ بِها ويُعَلِّمُها فذاكَ يُعَدُّ كَبيرًا في ملكوتِ السَّمَوات.

ما جِئْتُ لِأُبْطِل، بَل لِأُكْمِل - متى ٥: ١٧-١٩

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"أنتَ سِترٌ لي، مِن الضِّيقِ تَقيني، وبِتَرانيمِ النَّجاةِ تُحيطُني" (مزمور ٣٢: ٧).  ارحمنا، يا رب. ما زلنا في الحرب الكبرى مع إيران البعيدة، وفي الحرب المحلية هنا في أرضنا المقدسة، غزة وكل المدن والقرى. بل يزداد الموت على جبهتنا، وفي أرضنا. يكاد الانتباه يذهب إلى البعيد، وينسى الحرب التي تستمر في قرانا وبيوتنا. ارحمنا، يارب. الناس ينسون. أما أنت أبونا فلا تنسى أبناءك في غزة وفي كل هذه الأرض المقدسة. أنت ربنا وأبانا أردتنا أن نكون هنا للحياة لا للموت. ارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم – عن الشريعة. جاء يسوع يكمل الشريعة. شريعة الله لا شيء يسقط منها. الشريعة المطبوعة في نفس الإنسان، والشريعة المعطاة لموسى والأنبياء. قال يسوع: " ما جِئْتُ لِأُبْطِل، بَل لِأُكْمِل". المشترع واحد، في العهد القديم والجديد. لهذا جاء يسوع لا ليلغي بل ليكمل، لينقِّي، ليخفِّف من مظاهر الجسد، ويبدِّلها ويوضِّحها بمواقف العبادة بالروح والحق.

جاء بشريعة المحبة، محبة الله خالق الكل، ومحبة الإخوة كل الإخوة من دون تفرقة، من حيث الدين أو القومية. لأن الجميع خلق الله، والجميع إخوة. والجميع موضوع محبة الله.

كان الإنسان في مراحله الأولى يفهم الروح من خلال التزامات الجسد. وجاء يسوع المسيح، يربط الإنسان بأفضل ما فيه، وبأسمى ما فيه، فدلَّه على المحبة التي تسمو به إلى الروحيات. وبها يغفر، ويهتم بهموم أخيه وحاجاته المادية.

أحبب أخاك، حُبَّ الروح، وكن سندًا له، في روحه وجسدِه المعذّب. هذه المحبة أهم من أن تأكل بيدين مغسولتين أو غير مغسولتين. والله خالق الكل لم يخلق طعامًا نجسًا. بل يوجد طعام طيب للإنسان، وتوجد سموم قاتلة للإنسان، والإنسان بعلمه الطبيعي يميّز ويلتزم....

المحبة محبة الله أولا. محبة الخالق الذي منه كل شيء وكل نعمة. وهي ثانيًا محبة الإنسان، خليقة الله، يكرَّم ويحافَظ عليه، ولا يُساء إليه. معاملة الخليقة مثل معاملة خالقها. هذا هو الكمال. الحضور أمام الله، الذوبان في نور الله، ورؤية صورة الله في كل إخ أو أخت لي. المحبة شوق إلى الله، ومكوث مع الله. وهي جهد مستمر، جهاد ونضال النفس مع الجسد، حتى يبقى الإنسان بكامله أمام الله خالقه، وفي نور محبته.

قال القديس أغسطينس: أحبِبْ واصنَع ما شِئْت. لأنك إن أحبَبْتَ لن تسيء إلى من تُحب. إن كنتَ تحب الله خالقك وأباك، ستسعى لعمل كل ما يرضيه، وكذلك إن أحبَبْتَ أخاك لن تعمل شيئًا يسوؤه.

وقال الكتاب: إن الله صنع الإنسان على صورته ومثاله، فمنحنا العقل مثله، وجعلنا قادرين على المحبة مثله.

هذا معنى كلام يسوع: جئت لأكمل الشريعة، أكملها بغرس الحب في قلب الإنسان. ولتسود المحبة في قلبه في علاقاته مع الله ربه وخالقه، ومع إخوته البشر، كلِّهم، من دون تمييز. فتتلاشى الحروب، وإن أوجدها أشرار لا يعرفون المحبة، وُجِدَ وسطاء يعرفونها ويصلحون ما أفسده الأشرار.

ربي يسوع المسيح، علِّمْني كيف تكون محبتي لك ولكل إخوتي. علِّمْني كيف تكون أعمالي الخارجية كلها، مُفعمَةً بحبك، وبحب كل إخوتي. آمين.

الأربعاء ١١/٣/٢٠٢٦                       بعد الأحد الثالث من الصوم