لم يأتِ لينقض الشريعة والأنبياء
الكاتب : رئيس الأساقفة الكاردينال بيير باتيستا بيتسابالا- بطريرك القدس للاتين
يمتدّ موضوع أساسيّ عبر خطاب الجبل، ويشكّل مفتاحًا لقراءة مقطع إنجيل هذا اليوم (متّى 5: 17–37): إنّه موضوع الشرّ، حاضرًا في النصّ أكثر ممّا قد يظهر للوهلة الأولى. يتردد في التطويبات، حيث يُذكر الاضطهاد والشتائم (متّى 5: 11–12) ونجده أيضًا في مقطع إنجيل اليوم، حيث الحديث عن علاقاتٍ مجروحة، وعن الزنى، والعثرة، والوعود الكاذبة (متّى 5: 23–36).
ويظلّ حضور الشرّ متواصلًا على امتداد الخطاب كلّه: نسمعه يتردّد في خاتمة الصلاة الربّيّة حين نطلب من الآب أن ينجّينا من الشرير (متّى 6: 13)، وفي مطلع الفصل السابع، حيث يُذكَر القذى والخشبة اللذين يمنعان الإنسان من أن يُبصر بوضوح (متّى 7: 1–5).
ثمّ يتكلّم يسوع عن الهلاك (متّى 7: 13)، وعن الأنبياء الكذبة الذين يشبههم بذئابٍ خاطفة (متّى 7: 15)، وعن الأشجار الرديئة وثمارها (متّى 7: 17–19)، وعن فاعلي الإثم (متّى 7: 23) ليُختَم الخطاب بصورةٍ قويّة للدمار: "فنَزَلَ المَطَرُ وسالَتِ الأَودِيَةُ وعَصَفَتِ الرِّياح، فضَرَبَت ذٰلكَ البَيتَ فسَقَط، وكانَ سُقوطُه شَديدًا" (متّى 7: 27).
يتّضح، إذًا، أنّ الشرّ ليس موضوعًا ثانويًا في فكر يسوع. فمع مجيء ملكوت الله تنفتح حياةٌ جديدة، مدعوّة إلى مواجهة هذا البعد الجوهري من الوجود الإنساني، الذي يمسّ الجميع، من أجل اكتشاف سبيل جديد للتعامل مع الشر والغلبة عليه.
يسوع لا يتكلّم في هذا الخطاب عن الشرّ بلغةٍ مجرّدة أو فلسفية، بل ينظر إليه بوصفه واقعًا ينشأ في قلب الإنسان، ثمّ يتجسّد في أفعالٍ وخياراتٍ وكلماتٍ ملموسة؛ تقوّض العلاقات من أساسها وتجعل العيش المشترك أمرًا شاقًا.
وفي هذا السياق، يعلن يسوع أنّه لم يأتِ لينقض الشريعة والأنبياء، بل ليُكمّلها. فقد أُعطيت الشريعة لشعب إسرائيل لحفظ قدسية الحياة والعلاقات الأساسيّة التي تقوم عليها: العلاقة مع الله أولًا، ومنها تنبثق العلاقة بين البشر، لذلك لا يُبطل يسوع الشريعة، بل يكشف مرارًا أنّ الاكتفاء بممارستها بشكلٍ سطحي لا يُثمر تغييرًا حقيقيًا، بل يدعو إلى برٍّ أسمى، يواجه الشرّ من جذوره، ويقاومه منذ بداياته الأولى، قبل أن يستولي على قلب الإنسان: "فإِنِّي أقولُ لكم: إِن لم يَزِدْ بِرُّكُم على بِرِّ الكَتَبَةِ والفِرِّيسيِّين، لا تَدخُلوا مَلكوتَ السَّموات" (متّى 5: 20).
وفي ما يُعرَف بالتقابلات التي تتكرّر في هذا المقطع: "قد سمعتم أنه قيل… أما أنا فأقول لكم"، يعيد يسوع قراءة الوصايا الأساسيّة التي تقوم عليها العلاقات الإنسانيّة، ويُظهر ما يحدث عندما يُترَك الشرّ لينمو في قلب الإنسان: فالقتل يولد من الغضب، والزنى من النظرة التي تسعى إلى الامتلاك، والخداع من الكلمة غير الصادقة.
فالشرّ لا يبدأ بفعلٍ عظيم، بل كبذرةٍ خفيّة في فعل صغير يكاد لا يُلحَظ: اندفاعة غضب، نظرة عابرة، كلمة غير أمينة… غير أنّه ما يلبث أن ينمو فيدمّر أثمن ما يملكه الإنسان، أي علاقاته. ومع نموّه، يُحدِث الشر حركة اختزال: فيُختَزل الآخر إلى مجرّد موضوع، وتُختَزل الكلمة إلى أداةٍ للتلاعب.
وهكذا يُفرَّغ الناموس في نهاية المطاف من معناه العميق: فلا يعود سبيلًا لحفظ الشركة مع الله ومع الإخوة، بل يتحوّل إلى مجرّد قاعدة يُلتزم بها لإرضاء الضمير أو لتبرير البرّ الذاتي.
لكنّ يسوع، كعادته، لا يكتفي بكشف الشرّ وإظهاره إلى النور، بل يذهب أبعد من ذلك: إنّه يفتح مسيرة شفاء وخلاص.
فهو لا يكتفي بمواجهة الشرّ في مظاهره الخارجيّة، بل تبلغ جذوره الكامنة في القلب. ومن هنا يتحقّق، في العمق، إتمام الشريعة والأنبياء، بعطيّة القلب الجديد (حزقيال 36)، الذي يمكّن الإنسان من حفظ الوصية بدافع المحبّة وفي ملء الحرّية.
ولتحقيق ذلك، يشير يسوع إلى طريق بسيط، يتردّد في كلماته الحاسمة: "أمّا أنا فأقول لكم" (متّى 5: 22، 28، 31).
إنّها ليست وصايا أشدّ قساوة، بل دعوة للعودة إلى الأساس، حيث يُصغي الإنسان من جديد إلى الحقيقة التي دُعي إليها، مشروع الله الأول للإنسان التي أعادت التطويبات كشفه.
وهكذا يعود الإنسان ليختار جمال العلاقات السليمة، والكلمة الصادقة، والعيش بقلبٍ متواضع ومتّحد.
الأحد السادس من الزمن العادي – السنة أ 15 شباط 2026







