الصهيونية المسيحية: قراءة في كتاب "المسيح تحت الركام"
الكاتب : د. دلال صائب عريقات
في الحادي عشر من كانون الثاني/يناير 2024، وانا أشاهد مرافعات محكمة العدل الدولية تُبثّ على الهواء، وتُعرض أمام العالم أدلّة الإبادة الجماعية في غزة، تم الاستشهاد باقتباس للقس الدكتور منذر إسحق من صلاته " المسيح تحت الركام" ليخرج بعدها كتابه"(Christ in the Rubble) مادة لاهوتية–أخلاقية لا تنفصل عن اللحظة السياسية، بل تواجهها مباشرة. هذا الكتاب ليس مجرّد تأمل ديني في زمن الحرب، بل نداء ضد «الأمل السلبي»، وضد صمت الكنائس حين تصبح العدالة عبئًا سياسيًا.
يبين اسحق ان الصهيونية المسيحية ليست مجرد قراءة خاطئة للكتاب المقدس، بل هي أيديولوجيا سياسية تخدم مصالح القوى الكبرى وكيف تحول "لاهوت المحبة" إلى لاهوت يبرر الاحتلال ويطرح فكرة أن الصهيونية المسيحية تعطي "صكاً إلهياً" لسياسات الفصل العنصري. الخطر يكمن في إضفاء قداسة على الجرائم السياسية، مما يجعل انتقاد الاحتلال في نظر البعض "انتقاداً لمشيئة الله". القس منذر يدعو لمواجهة هذا الفكر ليس فقط بالسياسة، بل بتقديم "لاهوت بديل". كيف يمكن للفلسطينيين (مسلمين ومسيحيين) العمل معاً لتقديم رواية مضادة للصهيونية المسيحية في المحافل الدولية؟ وما هو دور "لاهوت الأنقاض" في إيقاظ ضمير الكنيسة العالمية؟
ينطلق إسحق من تفكيك الصهيونية المسيحية بوصفها لاهوتًا إمبراطوريًا، لا قراءة دينية بريئة. فالصهيونية المسيحية، كما يبيّن، شكّلت غطاءً لاهوتيًا للسياسات الإسرائيلية، من خلال توظيف انتقائي للنصوص المقدسة، يمنح الاحتلال والاستيطان والعنف شرعية دينية أمام جمهور غربي واسع. في مواجهة هذا اللاهوت، يقدّم إسحق استعارة مركزية هي «لاهوت الأنقاض»؛ حيث التصور يضع الكنيسة أمام سؤال وجودي: كيف يمكن للإنسان ان يؤمن بإلهٍ يقف مع الضحية، بينما تصمت مؤسساته أمام الإبادة؟ ولا يتردد إسحق في الاقتراب من أكثر الأسئلة حساسية: الغضب من الله. في سياق الإبادة والمعاناة الجماعية، لا يقدَّم الغضب بوصفه فقدانًا للإيمان، بل بوصفه صرخة أخلاقية، ومساءلة جذرية للعدالة الإلهية في عالم يسمح بهذا القدر من الظلم. هنا، يتحوّل الإيمان من طمأنينة إلى مسؤولية، ومن تسليم إلى مقاومة روحية.
يتناول الكتاب كذلك تداخل الدين مع العسكرة الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي العسكري، ودور بعض المبشّرين في تبرير هذا التداخل. فحين تُلبس أدوات الحرب خطابًا دينيًا، ويُقدَّم القتل بوصفه «دفاعًا أخلاقيًا»، تصبح التكنولوجيا امتدادًا للاهوت العنف، لا مجرد أداة محايدة. هذا التحليل يضع القارئ أمام حقيقة صادمة: الحداثة لم تُلغِ التدين، بل أعادت إنتاجه بأدوات أكثر فتكًا.

القس منذ اسحق
يُحسب للكتاب أنه لا يتجاهل الألم الإنساني لأي طرف. يسرد الفصل الأول القصص المروّعة لهجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وللردّ الذي أعقبها والذي بلغ حدّ الإبادة الجماعية. ويُبرز هذا الفصل حجم المأساة وما خلّفته من ألمٍ وصدمات نفسية لدى الضحايا الإسرائيليين. ثم انتقل إلى تحليل الإبادة التي تكشّفت ما جرى في غزة.
في الفصلين الثاني والثالث، يوضح بالتفصيل أن هذه الحرب لم تبدأ في السابع من أكتوبر. أستعرض السياق الأوسع الممتد على مدى سبعة وسبعين عامًا منذ قيام دولة إسرائيل، إلى جانب السياق الأقرب المتمثل في الحصار المفروض على غزة طوال الستة عشر عامًا التي سبقت ذلك التاريخ. كما يشرح هذان الفصلان النكبة — أي التطهير العرقي لفلسطين الذي بدأ عام 1948 — ويجادلان بأهمية فهم إسرائيل ككيان استيطاني-استعماري ونظام فصل عنصري. كذلك الحصار المفروض على غزة بوصفه السياق الضروري لأي فهم دقيق.
يذهب الفصل الرابع إلى عوامل رئيسية مكّنت من وقوع هذه الإبادة، وكذلك من استمرار الدعم الغربي لها، وهي: الاستعمارية بأبعادها السياسية والاقتصادية والسيطرة على السردية، والعنصرية، واللاهوت — ولا سيما الصهيونية المسيحية. أما الفصل الخامس فيتناول بالتفصيل مواقف عدد من القساوسة المؤثرين، والسياسيين المسيحيين، واللاهوتيين، وقادة الكنائس، والطوائف المختلفة إزاء الإبادة الجارية. وقد تراوحت هذه المواقف بين الدعوة إلى السلام، وتبرير العنف، أو تجاهل الفظائع بالصمت، فيما اكتفى بعضهم بالدعوة إلى السلام دون أي قوة ضغط أو خطة عملية ملموسة. يسلّط الفصل السادس الضوء على أصوات المسيحيين الفلسطينيين، ولا سيما مبادرة «المسيح بين الركام» (Christ in the Rubble) والمواعظ التي ألقاها خلال عيدي الميلاد والصوم الكبير، والتي واجهت صمت الكنيسة الغربية. وفي الفصل السابع، يشارك تجربته في العمل الرعوي خلال الإبادة، موضحًا اللاهوت الكامن وراء «المسيح بين الركام»، ويقدّمً قراءة لمعنى الصليب بوصفه تعبيرًا عن تضامن الله مع البشرية في ألمها ومعاناتها.
وأخيرًا، يبني الفصل الثامن على الكلمات المقتبسة من عظاته، والتي جرى الاستشهاد بها أمام محكمة العدل الدولية، ويوجّه نداءً واضحًا إلى الكنيسة للتحرّك. كما يستعرض هذا الفصل أشكال التضامن التي ظهرت من مختلف أنحاء العالم، ويُظهر كيف تشكّل مجتمع جديد عابر للأديان، جمع أشخاصًا من تقاليد إيمانية متعددة للدعوة إلى إنهاء الحرب.

يحدّد إسحق ثلاثة عوامل مكّنت من الإبادة واستمرار الدعم الغربي لها: الاستعمارية بأبعادها السياسية والاقتصادية والسيطرة على السردية، والعنصرية، واللاهوت، ولا سيما الصهيونية المسيحية. ويفضح صمت الكنائس الغربية، أو تبريرها للعنف، أو اكتفاءها بدعوات سلام بلا أدوات ضغط حقيقية.
الكتاب يبلغ ذروته حين يستعيد صوت المسيحيين الفلسطينيين، لا بوصفهم «أقلية منسية»، بل كجزء أصيل من هذا المكان وتاريخه. فأن تكون فلسطينيًا ومسيحيًا في آن واحد يعني مواجهة تهميش مزدوج: من الاحتلال، ومن عالم مسيحي يتجاهل وجودك. وجود هؤلاء المسيحيين يفكك الرواية التي تحاول تصوير الصراع كحرب دينية بين اليهود والمسلمين، ويعيده إلى جوهره الحقيقي: صراع على الأرض والحقوق والكرامة.
المسيح تحت الركام عمل عبقري، ونداء أخلاقي ولاهوتي وسياسي في آن واحد. كتاب لا يترك القارئ محايدًا، ولا يسمح له بالاحتماء بالصمت. القس منذر إسحق، الأب والإنسان، يوظّف كل أدواته الفكرية والروحية لتوثيق الجرائم، ولمخاطبة العالم بلغة العدالة الإلهية، لا بلغة المصالح. وليس مصادفة أن يحظى هذا العمل باهتمام الجامعات الكبرى والرأي العام العالمي.
هذا كتاب يستحق أن يُقرأ، لا لأنه يقدّم إجابات مريحة، بل لأنه يطرح الأسئلة التي طال تجاهلها. ففي زمن تُديَّن فيه الإبادة، يصبح الصمت خيانة… وتصبح الكلمة فعل مقاومة.







