لقد قمتم مع المسيح
المطران كيرلس سليم بسترس في الزمن الفصحيّ يعيّد المسيحيّون بعضهم بعضًا بقولهم: "المسيح قام – حقًّا قام". ولكن ماذا يعني بالنسبة إلينا حدثٌ حصل منذ ألفي سنة، ونحن الآن نعاني ما نعانيه من أوبئةٍ وأمراضٍ وأحوالٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ وسياسيّةٍ بائسة تجعلنا نكاد نيأس من الحياة
في الزمن الفصحيّ يعيّد المسيحيّون بعضهم بعضًا بقولهم: "المسيح قام – حقًّا قام". ولكن ماذا يعني بالنسبة إلينا حدثٌ حصل منذ ألفي سنة، ونحن الآن نعاني ما نعانيه من أوبئةٍ وأمراضٍ وأحوالٍ اقتصاديّةٍ وماليّةٍ وسياسيّةٍ بائسة تجعلنا نكاد نيأس من الحياة. جوابنا يتضمّن نقطتين: النقطة الأولى تتعلّق بالعلاقة بين السيّد المسيح وكلّ إنسان. والنقطة الثانية تتّصل بموقفنا نحن عندما نحتفل اليوم بهذه الذكرى.
إنّ السيّد المسيح، بحسب إيماننا المسيحيّ، هو ممثّل البشريّة الجديدة، كما أنّ آدم هو ممثّل البشريّة القديمة. إنّه آدم الجديد بالنسبة إلى آدم القديم الذي يروي سفر التكوين خلقه وخطيئته. فآدم القديم أدخل الخطيئة إلى العالم، وما يرويه عن خطيئته سفر التكوين ليس في الواقع خطيئة شخصٍ واحد، بل هو تشخيصٌ لخطايا جميع البشر منذ تكوين البشريّة. والخطايا كلّها تُختصَر في رفض الإنسان أن يعيش في الخير الذي خلقه الله ليعيش فيه، والذي عبّر عنه الكتاب المقدَّس في وصايا الله العشر. فاختيار الإنسان للشرّ في مختلف نواحيه هو سبب الوضع البائس الذي وصل إليه الإنسان، والذي نعاني منه اليوم كما عانى منه البشر على مدى الأجيال. فالله خلق الإنسان على صورته ومثاله، لكنّ الإنسان بخطيئته شوّه هذه الصورة وأفسد هذا المثال. هذا هو آدم القديم بوجهه المشوَّه الملوَّث بكلّ أنواع الخطايا والأعمال القبيحة.
جاء يسوع المسيح، آدم الجديد، ليعيد إلى الإنسان بهاء الصورة التي خلقه الله عليها. فعاش حياة خيرٍ وصلاحٍ بحسب إرادة الله. فكان هو "الطريق والحقّ الحياة". لكنّ الناس لم يحتملوا حياته التي هي تأنيبٌ مميتٌ لحياتهم، فتآمروا عليه وصلبوه. لكنّ الحقّ لا يمكن أن يُسكِتَه الظلم، والحياة لا يمكن أن يقضي عليها الموت. فقام من بين الأموات، وبموته وقيامته منح العالم الخلاص، وأرسل تلاميذه ليبشّروا بقيامته بين الأمم، ويدعوا الناس إلى اتّباعه طريقًا إلى الحياة الحقّة.
هذا ما حدث لآدم الجديد، الربّ يسوع المسيح. ونحن الآن أمام خيارين: إمّا نبقى على آدم القديم، فنعيش في الخطيئة على أنواعها، وإمّا نقبل أن نتّحد بآدم الجديد ونعيش كما عاش هو وكما علّمنا أن نعيش. فعندما نحتفل كلّ سنة بقيامة المسيح، إنّما نحتفل بنصرة الحقّ على الباطل ونصرة الحياة على الموت، وفي هذا الاحتفال نجدّد اتّحادنا بالسيّد المسيح، ونجدّد في ذواتنا موتَه وقيامته، بموتنا عن الخطيئة وقيامتنا إلى حياة جديدة، وصفها بولس الرسول بقوله في رسالته إلى الأفسسيّين: "ينبغي لكم أن تخلعوا عنكم، في ما هو من حياتكم السالفة، الإنسان العتيق، الفاسد بشهوات الغرور، وأن تتجدَّدوا في صميم أذهانكم، وأن تلبسوا الإنسان الجديد، الذي خُلِق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أفسس 22:4-24). ويقول في رسالته إلى الفيليبيّين: "وبعد، أيّها الإخوة، فكلّ ما هو حقٌ وكرامة، وعدلٌ ونقاوة، ولطفٌ وشرف، وكلّ ما هو فضيلةٌ وكلّ ما يُمتدَح، كلّ هذا فليكنْ محطَّ أفكاركم" (فيليبي 8:4). كما يكتب للكولسيّين: " لقد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما هو فوق، حيث يُقيم المسيح جالسًا عن يمين الله. اهتمّوا لما هو فوق، لا لما هو على الأرض، لأنّكم قد مُتّم للعالم وحياتكُم مستترةٌ مع المسيح في الله. ومتى ظهر المسيح فحينئذٍ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كولسّي 1:3-3). وهذا الظهور في المجد يعني رجاء القيامة في اليوم الأخير.
هذا هو موضوع اختيارنا: إمّا أن نقيمَ مع المسيح القائم من بين الأموات، وإمّا أن نبقى عائشين في مختلف أنواع الشرّ التي يوجزها الكتاب المقدّس بكلمة "إبليس"، ونعمل الأعمال الشيطانيّة التي هي سبب الحالة البائسة التي وصلنا إليها والتي نعاني منها كلّنا. إنّ المسيحيّين الذين اعتمدوا للمسيح قد لبسوا المسيح، ولا يمكنهم أن يجمعوا بين المسيح وإبليس، كما يقول أيضًا بولس الرسول: "أيّ شركةٍ بين البِرّ والإثم؟ وأيّ مخالطةٍ للنور مع الظلمة؟ وأيّ ائتلافٍ للمسيح مع بَليعال (أي إبليس)؟" (2 كورنثس 14:6-15).
فكلّ مرّة نعيش في الخطيئة "نُعِيد، بأنفسنا، صلبَ المسيح" (عبرانيّين 6:5)، وكلّ مرّة نقوم عن الخطيئة نجدِّد في ذواتنا قيامة المسيح. لهذا نحتفل كلّ سنة بعيد الفصح، لنشارك المسيح في قيامته، بعبورنا معه من الموت إلى الحياة. وسنبقى نحتفل بقيامة المسيح حتى اليوم الأخير، يوم ظهوره وظهورنا معه في المجد الإلهيّ. لذلك نقول كلّ سنة: "المسيح قام – حقًّا قام".





