في الأوّل من نيسان – قصة قصيرة جدا
الكاتب : رياض مخول – كاتب ومربّ من البقيعة في الجليل
في هذا الصباحِ، في يومِ ميلادِه في الأوّل من نيسانَ، استيقظ َعلى رنينِ هاتفِهِ الّذي لم يهدأْ من زخَمِ الرسائلِ والتهنئاتِ المتدفِّقةِ كالسيلِ: "كلّ عام وأنت بخير"، "عقبال المية"، "عيد ميلاد سعيد"...
ابتسمَ وهو يتعمّقُ في قراءةِ التهنئاتِ؛ ابتسامةً لا يُرى منها إلّا نصفُها، بينما كان نصفُها الآخرُ يلوذُ بظلِّ تاريخٍ طويلٍ من الكذِبِ وبثِّ الفرقةِ لإحكام قبضتِهِ في الوصولِ إلى مآربِهِ بأساليبِه الشيطانيّةِ، حتّى ظنّ نفسَه ملازمًا عنيدًا لكلّ قيادةٍ، بطرقِه الملتويةِ وحيلِهِ الخفيّةِ...
خرجَ إلى الشارعِ مزهوًّا، يتلقّى التهنئاتِ من بعضِ الناسِ مُكرّّرَةً حفظوها عن غيرهم ليجاملوه، كأنّها اعترافٌ متأخّرٌ ببطولاتِه! أوْقَفَهُ أحدهم، صافحَهُ بسرعةٍ وقد أشاح وجهه عنه، وقال ببرودٍ: "تستاهل"، ثم مضى دونَ أن ينظرَ خلفَهُ، عندَها شعرّ بشيءٍ خفيٍّ يتسلّل من نظراتِ الناس إليه؛ فلم تعدِ الابتساماتُ الّتي اعتادَ أن يلحظَها دافئةً كما كانت، ولا النظراتُ بريئةً كما عهدها؛ فتبدّت له كأنّها طيّات سرٍّ لا يُفهمُ مغزاها ولا يُفكّ رموزها، حتّى صارَ مكانُه مثقلًا بصمتِ يحكمُه خوفٌ جامحٌ وشعورٌ جارحٌ بغربةٍ غريبةٍ...
أدركَ فجأةً أنّ هذه النظراتِ الّتي تسلّلَت من عيونِ الناسِ اخترقَت فكرَه وقلبَه، فجعلَت صورتَهُ المثاليّةَ عن نفسِه تتصدّعُ، وتشوّش شعورَه بالطمأنينةِ والاعتداد.
في المساءِ، عاد إلى بيته. جلس وحيدًا يتفحّصُ هاتفَهُ؛ لا رسائلَ جديدةٌ، لا إشعاراتٍ، كأنّ السيلَ الّذي أغرقَ صباحَهُ قد جفّ فجأةً... شعرَ بفراغٍ غريبٍ، فراحَ يمرّرُ الشاشةَ ببطء، حتّى انتبهَ إلى رسالةٍ وصلتْهُ صباحًا كانَت قد غابَتْ عنْه... فتَحها ثمّ قرأَها على مهلٍ: " نأمُل أن يكونَ عيد ميلادك في هذا اليوم المبارك هو الوحيد الّذي تَصدُقُ فيه بلا مراوغة!"
توقّفَ طويلًا عندَ الجملةِ، انعكسَ ضوءُ الشاشة على وجهِهِ، فتلاشَتْ ابتسامتُهُ للحظةٍ، لكنْ سرعانَ ما ارتسمَتْ على وجهِهِ ابتسامةٌ قصيرةٌ، أعادَ بها ترتيبَ ملامحِهِ، ثم همسَ لنفسِه: "حتّى هذه كذبة نيسان."!






