شكري الخازن .. صديق البحر والشعر وحاتم الطائي!

نص الكلمة التي ألقاها الكاتب في حفل التأبين لراحة الراحل الأستاذ شكري الخازن، المدير الأسبق للكلية الأرثوذكسية العربية. والذي أقيم في قاعة الكلية في حيفا بتاريخ 8-12-1979

شكري الخازن .. صديق البحر والشعر وحاتم الطائي!

يأبى الموت إلا أن يختار من القلوب حباتها..ومن العيون ضوءها..ومن الفصول ربيعها..ومن الربيع زهوره وألوانه..ومن نيسان شبابه وابتسامته وموسيقى بلابله الخضراء..

يأبى الموت إلا أن يكون خالدًا وشريفًا.. فيمدّ يده إلى أشرف الأوسمة..لكي يضعها على صدره ويسير بها متباهيًا..وهامته تلمس سقف السماء!

يأبى الموت إلا أن يرزأنا بأناس نحبهم..لكي يكتسب معنى لبقائه ومبررًا لاستمراره..كذلك..لكي يصبح للحياة معنى ومبرر ومذاق!

من الموت نأخذ العبرة حتى نعرف معنى الحياة وقيمتها..وحتى يزداد تعلقنا بها وحرصنا على ممارستها..وحتى نثبت أننا جديرون بها وأنها جديرة بنا..وتستحق أن نحياها ونمارس حقنا فيها على أشرف نحو وعلى أجمل نحو!

**

أيها الإخوة

ما جئنا لكي نبكي..

ولكنها وقفة متأملة نستعرض فيها الشريط..لنطلّ على ذكرى الذين سقطوا واقفين..وجوههم وضّاحة وثغورهم باسمة..

إنهم غابوا..وما غابوا!

ولئن غابوا عنا جسدًا..فإنهم باقون..فكرة ووجدانًا..

إننا نتحسسهم في نبضنا وفي الدم الذي يتدفّق في شراييننا..وما زالوا يسكنون في السويداء من قلوبنا!

إننا نراهم في ابتساماتنا وعذاباتنا وانطلاقاتنا وانكفاءاتنا..

إننا نراهم في سهراتنا وفناجين قهوتنا ودفء أمطارنا وصحو سمائنا وزرقة بحرنا..

إنهم راحوا..وما راحوا!

**

قبل أكثر من عقدين تفجر النبع على خارطة هذا الوطن المعذب..وسرعان ما تدفّقت المياه العذبة..وتدفق طلاب العلم ينهلون من هذا النبع الذي ازدحم القصّاد على أبوابه..وأصبح فيما بعد كعبة ثقافية تؤمّها البراعم المتطلعة نحو شمس المستقبل بعيون ملؤها التفاول والأمل!

هذا المورد العذب كثير الزحام..يتوّج رأسه إكليل تزيّنه حروف عربية شامخة.."الكلية الأرثوذكسية العربية "!

هذا الورشة الثقافية الإنسانية بدأت طفولتها وخطواتها الأولى في حقول الألغام..ثم راحت تنمو وتكبر..حتى شبّت على الطوق..وراحت توزع الوعي الثقافي والعلمي والقومي والإنساني التقدمي..وأطلقت سفراءها في جميع أنحاء الدنيا..

كان شاهدًا على ميلاد هذه المنارة الثقافية..وراعيًا لخطواتها الأولى..

وكان عرّابها الذي شالها مع نخبة من الذين نذروا أنفسهم لحمل مشاعل الثقافة وإضاءة الطريق أمام الجيل الصاعد نحو الأشرف والأروع..وإلى لقاء مع مواسم حاتمية العطاء..ومواعيد مشتهاة!

**

ثم..كان البحر والشعر..وحاتم الطائيّ!

كان صديقًا للبحر..يوقظه من نومه..والناس نيام..ويصطحبه في رحلة صباحية إلى البحار الزرقاء!

وكان..

فتى عشقته البابلية حقبة فلم يشفها منه برشف ولا لثم

وكان صديقًا للشعر..

يسهر كل ليلة مع المتنبي وأبي نواس وابن الفارض وابن زيدون وابن أبي ربيعة وعنترة وغيرهم من الخيول العربية الأصيلة..

وفي زمن القحط الذي أصبح فيه الفتى العربي في وطنه غريب الوجه واليد واللسان..في هذا الزمن الذي أصبح فيه المهاتيك سادة و"عبر الدهر تفلق" حتى الصخر..كان الفارس الرحّالة يجوب دنيا التراث العربي والتاريخ العربي..والقرآن العربي..وتطيب له السياحة في هذا الواحات الحاتمية الخضراء..

كان يعبّ من مناهلها العذبة..يعبّ ويعبّ..ولا يرتوي..ولا يتعب!

**

فيا صديق البحر والشعر..والخيول العربية الأصيلة..

لقد تسلمنا الرسالة..وآلينا على أنفسنا أن نحدو القافلة التي كنت طليعتها..وحامل رايتها..

سنبقى أصدقاء الخيول العربية الأصيلة..

سنبقى أنت ونحن نعيش نبض ثلاثية البحر والشعر..وحاتم الطائيّ!

سنبقى الأصدقاء الأوفياء للمتنبي وأصحابه..

سنبقى عينًا ساهرة تحفظ الأبجدية..وتحرس التراث والجذور الحضارية التي تضرب عميقًا عميقًا في رحم الأرض والتاريخ..

سنسهر حتى مطلع الفجر..لبناء جيل يرفع الرأس..ويجمع المجد من أطرافه.. ويكون خميرة للمواعيد الآتية..لا بد آتية!