الصوم هو صلاة وتقشف وزهد متى ٩: ١٤-١٥
الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، بطريرك اللاتين الأسبق في القدس
١٤فَدنا إِليه تَلاميذُ يُوحنَّا وقالوا لَه: «لِماذا نَصومُ نَحنُ والفِرِّيسيُّون وتَلاميذُكَ لا يَصومون؟» ١٥فقالَ لَهم يسوع: «أَيَسْتَطيعُ أَهْلُ العُرسِ أَن يَحزَنوا ما دامَ العَريس بَيْنَهُم؟ ولٰكِن سَتَأتي أَيَّامٌ فيها يُرْفَعُ العَريسُ مِن بَيْنِهم، فَحينَئذٍ يَصومون.
الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرصنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة.
"آمَنتُ، سأُعايِنُ صَلاحَ الرَّبِّ، في أَرضِ الأَحْياء. ارجُ الرَّبَّ وتَشَدَّدْ، ولْيَتَشَجَّعْ قَلبُكَ وارجُ الرَّبّ" (٢٧: ١٣-١٤). ارحمنا، يا رب. إنا نؤمن أننا سنراك، وسنرى صلاحك في هذه الأرض التي قدَّسْتَها. سيأتي زمن يأتي فيه ملكوتك. لهذا يتشدد رجاؤنا ويتشجع قلبنا. لكن، نحن ما زلنا فريسة الظلم والموت. أنت أبونا ونحن بين يديك. أنت وحدك تقدر أن تنجينا من شر الناس ومن الموت الذي يحملونه. ارحمنا، يا رب.
إنجيل اليوم
"فَدنا إِليه تَلاميذُ يُوحنَّا وقالوا لَه: «لِماذا نَصومُ نَحنُ والفِرِّيسيُّون وتَلاميذُكَ لا يَصومون؟" (١٤).
من يصوم ومتى نصوم؟ يسوع صام مرة واحدة قبل أن يبدأ كرازته، ليس أنه كان بحاجة إلى الصوم ليتوب ويكفر عن خطاياه أو ليشدد قواه في المعركة مع الشر، بل ليكون لنا مثلا. كذلك جاء يعتمد على يد يوحنا المعمدان، لا لأنه كان بحاجة لأن يعتمد، ويَطهُرَ من خطاياه، فهو القدوس، المقدِّس للبشرية كلها، بل ليكون لنا مثلا، نحن الخطأة، فنتخذ الوسائل التي بها نَطهُر من خطايانا. كان يسوع لنا مثالا وبيَّن لنا معنى كل عمل عبادة نقدمه لله.
الصوم هو صلاة وتقشف وزهد، لاكتساب قوة للمعركة مع التجارب التي يمكن أن تدمر الحياة.
كان أشعيا قد بيَّن معنى الصوم وكيف يكون:
"في يَومِ صَومِكم تَجِدونَ مَرامَكم، وتُعامِلونَ بِقَسوَةٍ جَميعَ عُمَّالِكُم. ٤إِنَّكم لِلخُصومةِ والمُشاجَرَةِ تَصومون، ولِتَضرِبوا بِلَكمَةِ الشَّرّ. لا تَصوموا كاليَوم، لِتُسمِعوا أَصْواتَكم في العَلاء.٥ أَهٰكذا يَكونُ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه اليَومُ الَّذي فيه يُعَذِّبُ الإِنْسانُ نَفْسَه.، أَإِذا حَنى رأسَه كالقَصَب، وافتَرَشَ المِسحَ والرَّماد، تُسَمِّي ذٰلك صَومًا ويَومًا مَرضِيًّا لِلرَّبّ؟ ٦أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هٰذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير، وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْرارًا وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ ٧أَليسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ، وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ، وإِذا رَأَيتَ العُرْيانَ أَن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن حمِكَ؟" (أشعيا ٥٨: ٣-٧).
ليس العمل الظاهر هو الذي يرضي الله، ولا سيما إذا كانت الخطيئة في النفس وإذا كنا نظلم إخوتنا. الصوم وكل عمل عبادة لله يكون مرضيًّا أمام الله، عندما يكون مرتبطًا بمحبة إخوتنا وأخواتنا. المحبة وحدها تعطي معنى لكل ممارساتنا التقوية.
محبة الله والقريب، ثم الصوم.
قال يسوع مرة لتلاميذه الذين لم يقدروا أن يخرجوا الروح النجس من شاب: إن هذا النوع لا يخرج إلا بالصوم والصلاة. قال: "هٰذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلَّا بِالصَّلاةِ والصَّوم" (متى ١٧: ٢١).
الصوم مربوط دائمًا بالصلاة، وبمحبة الإخوة. الصوم هو وسيلة تُقَوِّي مقدرتنا لنكون أقوياء، فنتغلَّب على كل شهوات الأرض. ونتفرغ للصلاة، والحياة في حضرة الله، ونتمِّم وصية الله: محبة الله والقريب.
صوم وتقشف واجب على كل إنسان، لكي يجدد قواه في معركة الحياة ضد كل نوع من الشر أو الخطيئة.
ربي يسوع المسيح، أعطني القوة لأن أكون دائمًا مستعدًّا للمعركة، مع ضعفي، وفي مواجهة كل تجربة تبعدني عنك. أعطني القوة حتى أطهِّر صيامي، حتى يكون دائمًا مرتبطًا بمحبة إخوتي وأخواتي. آمين.
الجمعة ٢٠/٢/٢٠٢٦ بعد أربعاء الرماد






