الكنيسة وصوتها النبوي ضد العنف الزوجي

الكاتب : د. شارلي يعقوب أبو سعدى – بيت لحم

إن ما حدث في بيت لحم ليس مأساة فقط، بل جريمة لا تبررها أي خلافات أو ضغوط، لأن الحياة ليست ملكا لأحد. والعنف الزوجي خطيئة تمس جوهر الزواج الذي أراده الله: علاقة حب وكرامة متبادلة. الكنيسة مدعوة لتكون صوتا نبويا واضحا ضد كل أشكال الإيذاء في الزواج، فالعلاقة التي أرادها الله تقوم على الاحترام والشراكة الحقيقية، لا على الخوف أو الإهانة أو القتل.

الكنيسة وصوتها النبوي ضد العنف الزوجي

إن الزواج المسيحي ليس مجرد عقد قانوني مدني، بل سر مقدس يربط الزوجين بروابط روحية وأخلاقية، ويعلم الحب والتضحية والوفاء. بينما يحمي القانون المدني الحقوق، يعطي الزواج الكنسي معنى أعمق لحياة زوجية متينة، مع دعم ومرافقة روحية وعملية للزوجين.

ولا يقتصر دور رجل الدين على التعليم، بل يمتد إلى المرافقة الفعلية للأزواج في واقعهم اليومي، من خلال تعزيز ثقافة الحوار، ومساعدتهم على مواجهة الأزمات بوعي ونضج. إلا أن الوعظ العام وحده لا يكفي، لأنه يبقى عاما ولا يلامس دائما عمق الجراح التي يعيشها الناس في بيوتهم. فالمطلوب هو استثمار جدي وممنهج في تنمية قدرات رجال الدين، ليكونوا مؤهلين ليس فقط للكلام، بل للإصغاء العميق، وقراءة الإشارات الخفية للخطر، والتعامل مع الحالات بحساسية ومسؤولية، والتدخل بحزم عندما يلزم، مع القدرة على توجيه الأزواج إلى المساعدة المتخصصة دون تردد. فثقة الناس لا تُبنى على العظات وحدها، بل على خبرة ملموسة يختبرون فيها أنهم مسموعون دون خوف.

ولا يمكننا إغفال أن بعض رجال الدين قد يخطئون أحيانا في تقدير الحالات أو تقديم النصائح، لذا تحتاج الكنيسة إلى آليات متابعة وتدريب مستمر.

ومن هنا تبرز أيضا أهمية دور المحاكم الكنسية، فهي أكثر من جهة قانونية، إنها وسيلة رعوية لحماية الإنسان وصون كرامته داخل الزواج، ويجب تطويرها لتكون سريعة وعادلة وشفافة، مع ضمان حماية فعالة للمتضررين.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الأساسي للمؤمنين العلمانيين، الذين يشكلون امتدادا حيا لرسالة الكنيسة داخل المجتمع. فتنمية قدراتهم في مجال الأخلاقيات المسيحية والمرافقة الإنسانية تتيح لهم أن يكونوا شركاء فاعلين يساندون الكهنة والقسس، ويسهمون في خلق بيئة كنسية أكثر وعيا، قادرة على الاقتراب من الناس وفهم تحدياتهم بعمق.

كما أنه لا يجوز الاكتفاء بإنهاء الخلافات عبر المراجع العشائرية، إذ غالبا ما تسهم هذه الأساليب في تهدئة ظاهرية تخفي المشكلة بدل معالجتها من جذورها. فالمصالحة الحقيقية لا تقوم على تسوية شكلية، بل على مواجهة الأسباب العميقة، وحماية الكرامة الإنسانية، وضمان عدم تكرار الأذى.

إليكم بعض الخطوات العملية التي يمكن للكنيسة تطبيقها:

إنشاء مراكز متخصصة، على غرار مركز بيلسان، في مختلف المناطق، لتقديم دعم مهني وروحي متكامل.

تخصيص رجال الدين أوقاتا منتظمة للاستماع للأزواج، مع التزام حقيقي بمتابعة الحالات.

تعزيز التوعية لكسر ثقافة الصمت، من خلال العظات، والمواد التثقيفية، واللقاءات الدورية ضمن مساحات آمنة.

عدم الاكتفاء بالنصح الروحي، بل تحويل الحالات الصعبة إلى مختصين، وبناء شراكات مع جهات نفسية وقانونية.

التدخل بحزم في حالات الخطر، ووضع سلامة الإنسان فوق أي اعتبار، دون الاكتفاء بوساطات شكلية.

وضع آليات واضحة وسرية للإبلاغ عن حالات العنف تضمن الحماية والثقة.

تطوير دورات الخطاب لتكون أكثر مهنية وتنوعا، مبنية على خبرات متخصصة، ومصممة بشكل عملي يلامس واقع العائلات الشابة وتحدياتها.

في النهاية، الكنيسة ليست مجرد داعية أو مراقب، بل شريك حقيقي في حماية الأسرة والحياة الزوجية. إن مواجهة العنف تبدأ بالوضوح ورفض كل أشكال الإيذاء والعمل الجاد. الكنيسة، بصوتها النبوي ومرافقتها الحقيقية للزوجين، تحمي الكرامة وتعيد إلى الزواج معناه الحقيقي: الحب والاحترام والوفاء.

القيامة – المقال يشير الى الجريمة البشعة التي وقعت في بيت لحم قبل يومين، وراحت ضحيتها الشابة جوسيان جوني نصري جحا مرة (أم كرم).