الدّين الإسلاميّ بريء من التّكفيريّين
الكاتب : جميل السلحوت - كاتب من القدس
الجريمة البشعة التي ارتكبها تكفيريّون في كنيسة عين حمود في مدينة الكرك الأردنيّة، تعجز الأقلام عن وصف بشاعتها، ويجب الوقوف مطوّلا أمام أسباب ونتائج هكذا جريمة يندى لها جبين الإنسانيّة. تماما مثلما يجب إيقاع أقسى العقوبات على من ارتكبوها وعلى من تستّروا عليهم أو ساعدوهم، وعلى من يقف وراءهم، مع التّحيّة للقيادة وللحكومة وللشّعب الأردنيّ الشّقيق على وقفتهم الشّجاعة ضدّ هذه الجريمة وضدّ من يحملون أفكارها، وحزنهم وتعاطفهم الرّائع مع أُسَر الضّحايا. ويخطئ من يعتبر هذه الجريمة النّكراء جريمة طائفيّة، فالتّكفيريّون يعادون من يخالفهم ويستهدفونه بغضّ النّظر عن دينه.
ويجدر التّذكير هنا بأنّ ضحايا التّكفيريّين في سورية والعراق لم يستهدفوا اليزيديّين والمسيحيّين فقط، بل إنّ الغالبيّة العظمي من ضحاياهم كانوا من المسلمين. وضحاياهم لم تقتصر على أرواح البشر فقط، بل تعدّتها إلى تدمير سورية والعراق وتدمير حضارة البلدين التّاريخيّة وحتّى الدّينيّة، فقد دمّروا بابل وتدمر وغيرها من الأماكن الأثريّة، ودمّروا المقامات الدّينيّة الإسلاميّة والكنائس والأديرة، كما نهبوا ودمّروا المتاحف وما تحويه من كنوز لا تقدّر بثمن. وذات عام سابق كانت مقابلة صحفيّة مع زعيم تكفيريّ في سورية، وعندما سئل عمّا سيفعلونه مع المسلمين في دمشق إذا ما وصلوا إليها" فاتحين"؟ فأجاب: نرسل إليهم من يدعوهم إلى الولاء لنا حسب معتقدنا، فإن وافقوا وسلّمونا المدينة دون قتال، فهم منّا وإلينا، وإن دخلنا المدينة" فاتحين، فسنقتل رجالها وسنسبي نساءها وسنغنم أموالها!
فمن أين جاءنا هذا الفكر التّكفيريّ؟
يقول ابن خلدون في" المقدّمة":" إذا أردت أن تثير مشكلة لا نهاية لها: تستّر بالدّين"؟ والتّكفيريّون يتستّرون بالدّين والدّين منهم براء، وقد استغلّ أعداء العروبة والإسلام هذا جيّدا، فنشروا عملاءهم في بلداننا، واستغلوا الجهل المستشري بين ظهرانينا، وجنّدوا بسطاء العامّة المتديّنين بالفطرة؛ ليكونوا وقودا لحروبهم ضدّ أوطانهم وأبناء أمّتهم؛ تحت شعار أنّ الجنّة والحور العين في انتظارهم؛ ليحقّقوا أهداف الأعداء الطّامعين بأوطاننا وخيرات شعوبنا، ومع الأسف نجحوا في ذلك! فهل تنتبه شعوبنا أنّ تنظيمات التّكفير والإرهاب هي الإبن الشّرعيّ للدّول الإمبرياليّة، فمن أسّس القاعدة وداعش وجبهة النّصرة وأخواتهنّ؟ ومن موّلهم وسلّحهم ودرّبهم؟ ولمن وجّهوا أسلحتهم؟ ومن هم ضحاياهم؟
وعودة إلى جريمة كنيسة الكرك، فهل يدرك مسلمو هذه العصر الذين انضمّوا أو ساندوا التّكفيريّين الإرهابيّين أنّ الدّيانتين السماويّتين- اليهودية والمسيحيّة- موجودتان قبل الإسلام بمئات السّنين، وأنّ الإسلام في عهد النبوّة وعهد الخلفاء أقرّ هاتين الدّيانتين، وأنّ المسلم الّذي ينكر نبوّة موسى وعيسى عليهما السّلام هو كافر ومرتدّ عن الإسلام. وأنّ المسيحيّين واليهود عاشوا كمواطنين في الدّولة الإسلاميّة الّتي امتدّت من الصّين شرقا حتّى اسبانيا غربا؟ وأنّ الإسلام دعا إلى حماية دور عبادتهم، وحقّهم بممارسة صلواتهم وطقوسهم وأعيادهم الدّينيّة؟ وهل يعلم التّكفيريّون أنّ عمر بن الخطّاب سمح للأقباط في مصر بصناعة الخمور في حاراتهم على أن لا يبيعوها في الحارات المسلمة؟
وهناك أمر بدهيّ وواضح وضوح الشّمس وهو أنّ مسيحيّي الشّرق عرب، ومواطنون كاملو الحقوق في بلدانهم، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وأنّ كنائسهم وأديرتهم هي ملك لشعوبنا مثلها مثل المساجد، ومن يعتدي عليها فإنّه يسيء إلى دينه ولشعبه ولوطنه ولتاريخه ولحضارته؟ وأنّ مسيحيّي الشّرق يحملون هموم أوطانهم وشعوبهم ويدافعون عنها بأرواحهم، ومنهم من قاد وشارك في حركات التّحرّر ومنهم من استشهد ومن اعتقل وعُذّب، وللمسيحيّين العرب دور كبير في العلم والحضارة والثّقافة والاقتصاد في عالمنا العربيّ.
يعتبر الانغلاق الفكري والثّقافي واحدة من الأمور التي تعاني منها شعوبنا، وتجعلنا متقوقعين على أنفسنا، لا نعرف كيف تعيش الشّعوب الأخرى، تماما مثلما لا نعلم ماهيّة دورنا في الحياة الدّنيا، وبهذا نبقى ندور في حلقة مفرغة نأبى الخروج منها. حتّى أنّ البعض منّا يرى أنّ المجتمعات غير الاسلاميّة مجتمعات إباحيّة! دون أن يكلّف نفسه بالتّساؤل حول أسباب التّفوّق العلميّ والاقتصاديّ وغيرها عند تلك الشّعوب، ولا يعطي لنفسه حرّيّة التّفكير والتّساؤل إذا ما كانت تلك الشّعوب كما يفكّر فلماذا سادت العالم بعلومها واختراعاتها وقوّتها في مختلف المجالات؟
صحيح أنّ جريمة كنيسة الكرك يحمل مسؤوليتها من ارتكبوها ومن يقف وراءهم، وهي نكبة أصابت الشّعب الأردنيّ الشّقيق بمسيحيّيه ومسلميه، وهذه الجريمة تسيء للمسلمين، وتحرّض غيرهم عليهم وعلى دينهم، وعلينا الإنتباه إلى دورنا جميعنا حكومات وشعوب، فعلى سبيل المثال هناك أئمّة مساجد يخطبون في صلاة الجمعة والأعياد قائلين:" اللهمّ عليك بيهود والنّصارى، اللهمّ خذهم مددا ولا تبقَ منهم أحدا، ومن لا يشارك في الصّلاة فإنّه يسمعها عبر مكبّرات الصّوت الّتي تصله وهو في بيته". وهل العداء مع اليهود لأنّهم يهود، أم مع الصّهيونية الّتي تحتلّ أرضنا وتحارب شعوبنا؟ أم وفي أعياد الميلاد المجيدة نرى وتقرأ ونسمع في وسائل الإعلام وعلى صفحات التّواصل الاجتماعي الكثير من المقالات والحوارات الّتي تُحرّم تهنئة المسيحيّين بأعيادهم! فهل هذا أمر مقبول؟ وما مدى تأثير هكذا أمور على النّاشئة والجهلاء وهم كثيرون؟ ومن المستفيد من هذا؟ وما موقف الإسلام الصّحيح من هكذا قضايا؟
ويبقى أن نقول أنّه إذا لم يتمّ الانتباه لتقصيرنا بحقّ أنفسنا وديننا وأوطاننا فإنّ جريمة الكرك لن تكون الأخيرة تماما مثلما هي ليست الأولى.
26-10-2026







