أهمية الإرساليات التبشيريّة والمدارس الأهليّة ودورها في تنمية القوميّة العربيّة

الكاتب : جريس بولس/ كفرياسيف- وارسو

كان من نتائج التسامح والأمن اللذين تميز بهما حكم محمد علي باشا وابنه ابراهيم لمصر وبلاد الشام أن فتح الباب امام البعثات التبشيريّة الغربيّة من فرنسيّة وأمريكيّة وروسيّة وبريطانيّة لبدء نشاطاتها في المنطقة ورفع وتيرة التنافس في ما بينها.

أهمية الإرساليات التبشيريّة والمدارس الأهليّة ودورها في تنمية القوميّة العربيّة

في ذلك الوقت ازداد النشاط التبشيريّ في بلاد الشام ومصر، اذ تعددت الارساليات التبشيريّة وأبرزها:

  1. الإرساليات الكاثوليكيّة: منها إرساليات اليسوعيين واللاعازاريين التي هي من أقدم البعثات التبشيريّة الى بلاد الشام، إذ قدمت الى المنطقة في اوائل القرن السابع عشر، وطورت نظاماً تعليميّاً هدفه خدمة احتياجات الموارنة والطوائف الكاثوليكيّة، وافتتحت العديد من المدارس سواء للذكور أو الإناث في عينطورة، وعين ورقة، واسست جامعة القديس يوسف التي قامت بدورها بتعليم اللغات القديمة والحديثة والادب والطبيعيات. ووسع اليسوعيون مجال عملهم، فامتد الى دمشق وحلب وفلسطين والاردن ومصر، ودخلوا ميدان الطباعة، وبنوا المستشفيات والمؤسسات الخيريّة.
  2. الإرساليات البروتستانتية: يعود تاريخ بدء نشاط الإرساليات البروتستانتية الى العام 1820 في القدس، ومن ثم تركز ذلك النشاط في بيروت وما حولها، حيث قامت بتأسيس العديد من المدارس للذكور والإناث على حد سواء. ومن أكثر الإنجازات أهمية للبعثات الامريكية تأسيس الكلية السوريّة الإنجيليّة في بيروت عام 1866، وهي الكلية التي درّست العلوم الطبيّة والطبيعة والدينيّة والعقليّة والأدبيّة والفلسفيّة. وكان التدريس باللغة العربية من أهم ميزاتها. وكرست مطبعة الإرسالية في بيروت لطباعة الكتب التعليميّة والدينيّة باللغة العربيّة، وجرى تأسيس جامعات في مصر وتركيا كان لها دور أساس في تطور ونمو الأفكار والحركات السياسيّة المحليّة.

أما الإرساليات البروتستانتيّة البريطانيّة، فقد انتشر نشاطها في القدس وسوريّة والاردن ومصر، إذ تأسست جمعية C.M.S وامتد نشاطها الى القدس والناصرة والسلط ويافا ورام الله وغزة وعكا والرملة والكرك.

  1. الإرساليات الروسيّة: أتاحت اتفاقية كوجك قينارجة، التي وقعت بين روسيا والدولة العثمانيّة عام 1884، الفرصة لبدء النشاط التبشيريّ الأرثوذكسيّ في القدس وقامت بتأسيس جمعية فلسطين الإمبراطوريّة عام 1837 بقصد دعم النشاط الدينيّ والثقافيّ الروسيّ في القدس، وتبنت برنامجاً لتعليم الارثوذكس في مدن الناصرة ورام الله وحيفا ويافا، وعلمت باللغة العربيّة.

ونلخص أهم الاثار التي تركتها هذه البعثات في المسيحيين العرب بأنها ساعدت على تعلم اللغات الاوروبيّة الحديثة، وركّزت على التعليم المهني من هندسة وطب وغيرهما من العلوم الحديثة، ولعبت دوراً مهما في تخريج جيل أو طبقة من المدنيين المثقفين الذين تشربوا الحضارة الغربية وأضحوا من مروجي فكرة الاصلاح في الشرق، الامر الذي كان منطلقاً لتكوين اتجاه فكريّ سياسيّ سينمو عبر الجمعيات والمجلات والصحف، اتجاه تميز بطروحاته القوميّة ودعواته الليبراليّة والعلمانيّة.

تأثير الإرساليات التبشيريّة:

عملت البعثات التبشيريّة من فرنسيّة وأمريكيّة وروسيّة وبريطانيّة على تنشئة جيل جديد على اسس غربيّة. وقد كانت المدارس والجامعات التي ظهرت في سياق نشاطها التبشيريّ عوامل فعالة في حركة الإحياء العربي في بلاد الشام ومصر وأعطت المسيحيين العرب ميزة تعليميّة أوليّة ميزتهم عن غيرهم.

ونستطيع ان نلخص أهم الآثار التي تركتها هذه البعثات في المسيحيين العرب تحديداً وفي الثقافة العربية عموماً بالنقاط التالية:

  1. ساعدت الإرساليات التبشيريّة المسيحيين العرب على تعلم اللغات الاوروبيّة الحديثة، الامر الذي هيأهم للتعامل مع البنى الاجتماعية الجديدة. وبتأثير منها قامت أديرة جديدة تتّبع قواعد الترهّب الغربيّ، ثم غدت في ما بعد مراكز للعلم والتربية. ونشأت تحت جناحها معاهد ومدارس تعليميّة علّمت الإكليركيّين والمدنيّين على حدّ سواء. وبالتركيز على التعليم المهني من هندسة وطب وغيرهما من العلوم الحديثة، تم تخريج جيل أو طبقة من المدنيين المثقفين الذين تشربوا الحضارة الغربيّة ووجدوا مجال عملهم في الدوائر الماليّة والجمارك وغيرها من المنشآت الكبرى.
  2. تعرف المسيحيون العرب، ومن خلال البعثات، على التكنولوجيا الغربية، وخاصة مع دورهم كوسطاء ثقافيين ومكانتهم القياديّة في التجارة، الامر الذي جعل من الطبيعي أن يكونوا من مروّجي الإصلاح في الشرق الاوسط، وحركة النهضة الأدبية بمختلف موضوعاتها، الوطنيّة والقوميّة والكيان والشخصيّة العربية وحقوق المرأة، والحاجة الى الرقي وحركة الإصلاح، وموضوعات كان أول من بحث فيها من المسيحيين العرب: اليازجي، والبستاني...إلخ. وكان ذلك في ما بعد منطلقاً لتكوين اتجاه فكري سياسي سينمو عبر الجمعيات، اتجاه تميز بأطروحاته القومية، العربية أو السوريّة، ودعواته الليبراليّة والعلمانيّة، ولكن في ظل هيمنة ثقافيّة غربيّة.
  3. زودت الإرساليات، وخاصة البعثات الامريكية، العرب بالوعي القوميّ نتيجة اهتمامها باللغة العربيّة، التي درّست بها، وبمساعدة من معلمين عرب، الأمر الذي أعاد الحياة إلى اللغة العربية وبمساعدتهم كتبت النصوص الدينيّة باللغة العربيّة فعادت الحياة الى الثقافة العربيّة، وتبلورت المعالم الاساسيّة لمفهوم الكيان الوطنيّ، ودفع بالولاء الدينيّ، الذي هو جوهر ارتباط العرب بالدولة العثمانيّة، الى الخلف، كما ان البعثات الامريكيّة أجبرت البعثات الاخرى، من روسيّة وفرنسيّة، على تقليدها في اسلوبها، فمن أهم إنجازات البعثات الارثوذكسيّة ترقية أحد العرب الى رتبة البطريركيّة الانطاكيّة لأول مرة عام 1899 م، بالرغم من معارضة الروم الارثوذكس لذلك.
  4. تركت الإرساليات آثارها في المسلمين والدروز العرب، إذ مكنتهم من الحصول على تعليم ثانويّ جيد شمل العلوم الحديثة واللغات الأجنبيّة، الأمر الذي مكّن طلابها من توثيق علاقاتهم مع الغرب، فالتعليم التبشيريّ خلق جوّاً ثقافياً تمتع بمسحة علمانيّة.
  5. نالت المدارس التبشيريّة رضى الجميع واحترامهم، وذلك لما وجده التلاميذ من حسن المعاملة وطريقة تدريس مختلفة عما عهدوه في السابق من حيث المادة والاسلوب، وكان تأثيرها في مسارات مختلفة، فكل فرقة من الفرق المسيحيّة مالت الى مذهبها، الامر الذي ساعد على تنوع الميول والاتجاهات، وحتى المدارس الوطنيّة كيّفت أساليب تعليمها وفقاً لمدارس الإرساليات، وهو ما دفع بالحركة التعليميّة نحو الامام. (أنظر كتاب: "المسيحيون العرب وفكرة القوميّة العربيّة في بلاد الشام ومصر (1840- 1918)" للدكتورة فدوى أحمد محمود نصيرات).

لماذا تستهدف المدارس الأهليّة اليوم في الداخل الفلسطينيّ:

كلكم يعرف "مشروع الشرق الاوسط الجديد الامريكيّ الصهيونيّ" والذي يهدف الى تفتيت المنطقة وهو ما جاء بما يسمى بالربيع العربيّ والذي أنعته بالخريف العربيّ وأحد أهداف هذا المشروع هو القضاء على "العروبة" والمكوّن "للعروبة" هو المسلم مع المسيحيّ مع الدرزيّ، والمشروع هدف ويهدف الى تفريغ الشرق الاوسط من المسيحيين، لذا هم لوحقوا ويلاحقون في العراق والشام ولبنان ومصر وفلسطين على يد امريكا وحلفائها بإدارة الصهيونية وأدواتها كداعش واخواتها، وحين يفرغ الشرق الاوسط من المسيحيين يقضى على "العروبة" ويبقى عالم اسلاميّ سنيّ يتنازع مع عالم اسلاميّ شيعيّ لكي تبقى اسرائيل اليهوديّة الدولة القويّة في المنطقة.

وكجزء من هذا المشروع الكبير يريدون القضاء على المدارس الاهليّة التي كان لها الفضل في إنماء وتقوية القوميّة العربيّة والمحافظة على اللغة العربيّة والنهوض بها.