٢٧السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح، البطريرك الأسبق للّاتين في القدس

٢٧السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ. ٢٨سمِعتُموني أَقولُ لَكم: أَنا ذاهِبٌ، ثُمَّ أَرجِعُ إِلَيكُم. لو كُنتُم تُحِبُّوني لَفَرِحتُم بِأَنِّي ذاهِبٌ إِلى الآب، لِأَنَّ الآبَ أَعظَمُ مِنِّي. ٢٩لقَد أَنبَأتُكم مُنذُ الآنَ بِالأَمرِ قَبلَ حُدوثِه، حَتَّى إِذا حَدَثَ تُؤمِنون. ٣٠لن أُطيلَ الكَلامَ عَلَيكُم بَعدَ ذٰلك، لِأَنَّ سَيِّدَ هٰذا العالَمِ آتٍ، ولَيسَ لَه يَدٌ علَيَّ. ٣١وما ذٰلِكَ إِلَّا لِيَعرِفَ العالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآب وأَنِّي أَعمَلُ كما أَوصاني الآب".

٢٧السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم

الوضع في حياتنا العامة: الموت هو السيد. إسرائيل تقول للفلسطينيين: لا يحق لكم أن توجدوا هنا. والفلسطينيون يقولون: بل نحن في بيوتنا وأرضنا وبلدنا. والاعتداءات مستمرة ويومية من الجيش ومن المستوطنين. يجرحون ويقتلون، ويدمرون الزروع، ويهدمون البيوت، ويجبرون الناس على التشرد، وآلاف الأسرى في السجون... والوضع في غزة قالوا إن الحرب انتهت ولم تنته... الموت والظلم هو السيد في كل أرضنا المقدسة. وفي يوم السبت ٢٨ شباط/فبراير٢٠٢٦ بدأت الحرب على إيران.

"تَمَلَّكَني الخَوفُ والرِّعدَة، وغَمَرَني الارتِعاش" (مزمور ٥٥: ٦). ارحمنا، يا رب. نجِّنا من كل شر. نجِّنا من الحرب. يبدو أن غزة صارت منسية، مع أنها ما زالت في ويلات الحرمان والموت، وكذلك الضفة الغربية وهجومات المستوطنين وتدميرهم. وجنوب لبنان والقرى المهجرة والمدمرة والناس المشرَّدين والقتلى والجرحى الكثيرين... وإيران والخوف من الحرب العالمية. يا رب، نجِّنا من الشر ومن الشرير، في هذه الأرض المقدسة وفي كل مكان. أعد إلينا الحياة، وارحمنا، يا رب.

إنجيل اليوم

" السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ" (٢٧).

وعدنا السيد المسيح بالسلام، ليس كما يعطي العالم، السلام الذي يتِمّ بالحروب والدمار والموت ثم اتفاقية سلام تثبت أو لا تثبت... بل سلام المسيح هو السلام الذي لا يقدر الإنسان أن يعطيه، أو لا يعرف أن يعطيه. سلام الناس ناجم عن خطيئة الناس. وسلام الله مرتبط بحب الله الأزلي. سلام الله يطهِّر القلب من كل كراهية، يطهِّر نظرة الإنسان. يدُلُّنا على أكثر من الأرض، على ما يأتي بعد الأرض، يدُلُّنا على الله خالق الأرض. سلام الله يضع كل واحد وواحدة في حب الله، ويجعله يصير صانع سلام.

تاريخ البشرية تاريخ حروب. لكنَّه أيضًا تاريخُ حبِّ الله للبشرية التي خلقها على صورته. تاريخ الإنسان هو معركة بين الخطيئة وبين حب الله. الله يحب الإنسان، والإنسان ينسى فيجهل ما هو ويجهل علاقة الله به. فيصير إلهًا لنفسه، وأول خطيئة تلي هي أنه يقتل أخاه.

سلام الله الذي منحه الله للإنسان هبة تجعل الإنسان قادرًا على الرؤية، فيرى نفسه ما هو ويرى الله، ويصير قادرًا على أن يسير في نور هبة الله، وفي طرق الله، وفي حُبِّ إخوته، ويصير عونًا لهم ليمكثوا في حب الله. السلام يجعل الإنسان ابن الله، وصانع سلام.

لهذا بالرغم من كل خطيئة الإنسان، بالرغم من خطيئة الحرب، ومأساة الويلات الناجمة عن الحرب، قال لنا يسوع: "لا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ". لا تخافوا. ومع ذلك نحن خائفون. ونصرخ، نجِّنا، يا رب، فقد هلكنا.

تنبأ يسوع لرسله عن آلامه وموته، حتى إذا ما حدثت ثبتوا في إيمانهم. وتنبأ لنا أيضًا أننا سنلاقي الاضطهاد في العالم، حتى إذا ما حدث لنا ذلك، لا نيأس ولا نفقد إيماننا.

تنبأ لنا يسوع أننا سنتألم وأننا لن نكون وحدنا. لن يتركنا وحدنا، بل سيكون دائمًا معنا. وسيرسل إلينا الروح القدس ليرشدنا ماذا نعمل وماذا نقول عندما يضطهدنا العالم.

حياتنا حياة مع الله. هذا ما نؤمن به. لسنا وحدنا، لن نكون وحدنا أبدًا، إلا إذا وقعنا في اليأس وغرقنا فيه... وحتى في اليأس، إن نحن غرقنا، الله لن يتركنا. يبقى يبحث عنا، مثل الراعي الصالح، في يأسنا، وفي كل الصعاب، حتى يعيدنا إلى الحياة.

يسوع يقول لنا: لا تخافوا، مهما حدث لكم. أنا معكم. والسلام الذي أمنحكم، أمنحكم إياه دائمًا. وأنتم ستكونون قادرين على أن تمنحوا العالم السلام، مهما كان الشر في العالم.

يجب أن " ِيَعرِفَ العالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآب وأَنِّي أَعمَلُ كما أَوصاني الآب" (٣١).

علاقتنا مع الله أصولها في ازلية الله. يسوع، كلمة الله، إله حق، واحد مع الآب، هو رأسنا. يجعلنا نكون كما هو كائن. يعلِّمنا كيف نكون، ونحيا، ونحب. مثله. يسوع ابن الله، يحب الآب، ويتمم مشيئته. صار إنسانًا، وأدخلنا في سر وحدته مع الآب، في حياته، وفي حبه وقدرته على الشر. أصولنا في يسوع المسيح عميقة في سر الله غير المُدرَك.

لهذا نقدر أن نسمع وأن نفهم كلمات يسوع: "السَّلامَ أَستَودِعُكُم، وسَلامي أُعْطيكم. لا أُعْطي أَنا كما يُعْطي العالَم. فلا تَضْطَرِبْ قُلوبُكم ولا تَفْزَعْ".

ربي يسوع المسيح، أنت والآب واحد. أنت تعرِّفنا بالآب. ووعدتنا بالسلام من الآب. احفظنا في حضرته، متحدين بك وبالآب، حتى نحيا، في كل ظرف، في السلام الذي تمنحنا إياه. آمين.

الثلاثاء ٥/٥/٢٠٢٦                          بعد الأحد الخامس للفصح