نحن في وسط الأسبوع المقدس، في زمن الآلام - متى ٢٦: ١٤-٢٥

الكاتب : البطريرك ميشيل صباح – البطريرك الأسبق للاتين في القدس

١٤ فذَهبَ أَحَدُ الاثنَيْ عَشَر، ذاكَ الَّذي يُقالُ له يَهوذا الإِسخَريوطيّ، إِلى عُظَماءِ الكَهَنَة ١٥ وقالَ لهم: ماذا تُعطوني وأَنا أُسلِمُه إِليكم؟ فَجَعلوا له ثَلاثينَ مِنَ الفِضَّة. ١٦ وأَخَذَ مِن ذلِكَ الحينِ يَطلُبُ فُرصَةً لِيُسلِمَه. ١٧ وفي أَوَّلِ يَومٍ مِنَ الفَطير، دَنا التَّلاميذُ إِلى يسوعَ وقالوا له: أَينَ تُريدُ أَن نُعِدَّ لَكَ لِتأكُلَ الفِصْح؟ ١٨ فقال: اذهَبوا إِلى المدينةِ إِلى فُلان وقولوا له: يَقولُ المــُعَلِّم: إِنَّ أَجَلي قَريب، وعِندَكَ أُقيمُ الفِصحَ مع تَلاميذي. ١٩ ففَعلَ التَّلاميذُ كما أَمرَهُم يَسوعُ وأَعَدُّوا الفِصْح. ٢٠ ولمــَّا كانَ المــَساء، جَلَس لِلطَّعامِ معَ الاثَنيْ عَشَر.

نحن في وسط الأسبوع المقدس، في زمن الآلام - متى ٢٦: ١٤-٢٥

٢١ وبينَما هُم يأكُلُون، قال: الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ واحدًا مِنكُم سيُسلِمُني. ٢٢ فحَزِنوا حُزْنًا شَديدًا، وأَخذَ يسأَلُه كُلُّ مِنهُم: أَأَنا هو، يا ربّ؟  ٢٣ فأَجابَ: الَّذي غَمَسَ يَدَه في الصَّحفَةِ مَعي هو الَّذي يُسلِمُني. ٢٤ إِنَّ ابنَ الإِنسانِ ماضٍ، كما كُتِبَ في شَأنِه، ولكِنِ الوَيلُ لِذلِكَ الإِنسانِ الَّذي يُسلَمُ ابنُ الإِنسانِ عن يَدِه. فلَو لم يُولَدْ ذلكَ الإنسانُ لَكانَ خَيراً له. ٢٥ فأَجابَ يَهوذا الَّذي سيُسلِمُه: أَأَنا هو، رابِّي؟ فقالَ له: هو ما تَقول.

         

الحرب ١٧١

       "قد ذُلِّلتُ لِلْغاية فأحْيِني يا رَبِّ بحَسَبِ كَلِمَتِك. ارتَضِ يا رَبِّ بِقُربانِ فَمي، وأَحكَامَكَ عَلِّمْني.  نفْسي على كَفِّي في كُلِّ حين، وأَنا لم أَنْسَ شَريعَتَكَ" (مزمور ١١٩: ١٠٧-١٠٩).

          "ذُلِّلنا لِلْغاية فأحْيِنا، يا رَبِّ". ارحمنا يا رب. ارحم أهل غزة ورفح وكل القطاع. كلهم أبناؤك كلهم معرضون للموت. أقوياء هذا العالم يفكرون كيف يتخلصون منهم، بالإبادة أو بالترحيل. لا يفكرون أن يوقفوا حربهم التي لا معنى لها. ارحمنا، يا رب. أعطنا قوة منك لنقاوم شر الناس. من أجلنا تألمت في هذا الأسبوع المقدس، حتى تنجينا من الموت، وحتى يصير الإنسان إنسانًا يحب، لا يقتل. نجنا من الشر، وارحمنا، يا رب

       انجيل اليوم

       "فذَهبَ أَحَدُ الاثنَيْ عَشَر، ذاكَ الَّذي يُقالُ له يَهوذا الإِسخَريوطيّ، إِلى عُظَماءِ الكَهَنَة وقالَ لهم: ماذا تُعطوني وأَنا أُسلِمُه إِليكم؟ فَجَعلوا له ثَلاثينَ مِنَ الفِضَّة" (١٤-١٥). أمامنا وجه يهوذا في هذا الصباح أيضَا. لنتأمل في جسامة الشر الكامن في الإنسان. لكي نرتفع ونبقى مع ربنا وإلهنا الذي أحبنا ومات من أجلنا. كل خطيئة، كل شر فينا هو شيء من الانحدار الذي نراه في يهوذا. باع معلمه، لربما لم يكن يعلم ماذا يفعل، ومع من يتعامل، ومن هو يسوع؟ لعله. لكن، مهما كانت الصورة في نفسه، فهو ينحدر إلى أعماق الشر، إلى الخيانة.

       صورة يهوذا في بدء هذا النهار، لنزداد قربًا وأمانة ليسوع.  لأزداد نورًا ومحبة، لأزداد فهمًا لسر الله في هذا الزمن المقدس. هكذا أحب الله العالم. قد لا أدرك. قد تغمرني مقتضيات الحياة في كل يوم وتمنعني من أن أرتفع عن الأرض، ومن أن أتأمل في سر الله، ومن أن أدخل في نور الله. حياتي جهد مستمر نحو النور. حياتي سير نحو الله.

       نحن في وسط الأسبوع المقدس، في زمن الآلام، نتأمل في خطيئة الإنسان، في كل شر يصدر عن الإنسان. شرور كثيرة، في الحياة الخاصة والعامة. ورسالتنا ورسالة كل إنسان تقوم بالبقاء في صلاح الله، والابتعاد عن كل شر في حياتنا.

       لخَّص يسوع لنا طريق الوصول إلى الله، في وصية واحدة. أحبب الله وأحبب قريبك. الله لا نراه. الطريق إليه تعالى هو قريبنا، أخونا الذي نعيش معه، كل يوم، كل لحظة، وقريبنا البعيد عنا، هو كل إنسان خلقه الله. في أرضنا حيث كثرت الاختلافات، قريبنا هو كل إنسان في كل دين وفي كل شعب. نحن مسيحيون ومسلمون ويهود، العلاقة بيننا هي الآن علاقة الموت. في غزة وفي كل مدن فلسطين وقراها، المحبة غائبة. مأساتنا مدتها سنوات وأعمار بأكملها تثقلها الخطيئة، الكراهية والقتل. كيف ننتقل إلى الحياة؟ هل المحبة تستطيع نقلنا من الموت إلى الحياة؟ الأسبوع المقدس يقول: المحبة تستطيع. المحبة تعيد البصر لمن فقده، وتعيد الإنسانية إلى من فقدها. والمحبة ممكنة.  

       نحن في هذا الأسبوع المقدس، في الموت الذي نعيشه، في موت غزة ورفح، في مخططات الأقوياء والمستبدين، هذا الأسبوع يقول لنا المحبة يمكن أن تكون هي الأقوى.

       لنجعلها الأقوى في حياتنا اليومية، في جهادنا اليومي مع أنفسنا، ومع واقعنا اليومي.

          الحياة صعبة. وهذه الكلمات تبدو أوهامًا. لكن، في حياتنا الصعبة، وفي هذه الأوهام، نقف على الجلجلة، ونتأمل في ما صنع الله لنا، وفي معنى ما صنعه الله هنا على الجلجلة في كل دروب حياتنا. ولنتأمل في ما صيَّرنا قادرين أن نكون وأن نعمل. نحن على صورة الله، لنسأل الله أن يعيد إلينا هذه الصورة، ثم نعود إلى الحياة الصعبة وإلى الأوهام، ونحن نرى الله.

       حياتنا الصعبة هي أن نعيش ما هو مستحيل في نظر الناس، وما هو ممكن في نظر الله، هو أن نحيا بالرغم من الموت، والحرب وكل شر.

       ربي يسوع المسيح، أنت ترى الصعاب التي نحن فيها. وفي أرضك نفسها التي قدستها بحضورك وبموتك وقيامتك. أرسل إلينا روحك لنرى، لنكون أقوياء في الحياة الصعبة التي نواجهها اليوم. ربي يسوع المسيح، في حياتنا الصعبة، وفي هذا الأسبوع المقدس، أعطنا أن نقف على الجلجلة، بآلامنا، ناظرين إليك، ومنتظرين نور القيامة. آمين.

الأربعاء ٢٧/٣/ ٢٠٢٤         الأسبوع المقدس – الأربعاء