لقاء مع مدرس اللغة العربية، الكاتب رياض مخول بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية
القيامة - صادف يوم أمس الخميس اليوم العالمي للغة العربية، وبهذه المناسبة أجرى رئيس تحرير موقع "القيامة" والمحرر في صحيفة "الصنارة"، لقاء مع المربي والمدرس المتقاعد، بعد 44 عاما في تدريس اللغة العربية وآدابها، الأستاذ والكاتب رياض مخول من البقيعة، ينشر في الموقعين بالتزامن.
القيامة: ما هي أهمية وجود يوم للغة العربية، وهل يحتفل به بالشكل الصحيح في بلادنا؟
مخول: يعتبر هذا اليوم يومًا عالميا بقرار من اليونسكو. من المؤسف أنه لا يتم الاحتفال بهذا اليوم في بلادنا بالشكل المطلوب، لأسباب مختلفة. يتم احياء هذا اليوم في مجتمعنا من خلال ندوات أدبية أو لقاءات في المدارس، بشكل محدود ورمزي. ويبدو أن قانون القومية، الذي نقل اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة ذات مكانة خاصة، ساهم في تراجع مكانتها، ويبدو أن هناك من يعمل على التقليل من شأنها، لأن قوة أي شعب تكمن في قوة لغته. من جهة أخرى فالتعليم العربي خاضع لسياسة التمييز في الموارد أسوة بغيره.
في هذا اليوم الذي يُحتفل فيه باللغة لا يمكن من خلاله استثمار الاصلاحات والنواقص في تدريسها؛ من تغيير الأساليب والمناهج. والملاحظ أن المبادرات الصادقة تقوم بها مؤسسات أهلية مستقلة أو مدارس أهلية أو تنظيمات أدبية مختلفة.
أرى أن الاحترام الحقيقي للغة، يجب أن يكون على مدى العام، حيث تشارك فيه هيئات المدارس مع المجالس المحلية أو لجنة المتابعة مع الهيئات الوطنية والمكتبات العامة، وليس أن يكون هذا اليوم فقط رفعا للشعارات التقليدية.

القيامة: كيف يمكن تعزيز مكانة اللغة العربية في ظل العزوف عنها من قبل الطلاب، وعدم الاهتمام بها من قبل مجالسنا المحلية ومؤسساتنا؟
مخول: إن عملية التعزيز مشروطةٌ بتغيير حقيقي في طريقة التعامل مع اللغة كونها جزءا لا يتجزأ من المجتمع؛ فالابتعاد عن اللغة العربية لا يعود الى ضعف فيها، بل الى النظر اليها على أنها لغة مدرسية فقط موصوفة بالجمود ولا ترتبط بالنجاح المستقبلي المهني.
كل طالب عمليّ بطبيعته، ينجذب إلى ما يراه نافعا في الحياة اليومية، وحين يكون في المدرسة لا يرى أمامه سوى مادة امتحان، بينما اللغات الأخرى توفر له فرص العمل والانطلاق، مما يجعل الابتعاد عنها منطقيا وليس موقفا عدائيا.
لذا فان تعزيز مكانة اللغة يبدأ باعادة ربطها بالحياة الواقعية، فاللغة لا يمكن أن تعيش بالشعارات بل بالاستخدام، وعندما تستعمل في الاعلام المحلي، النظام العام، المبادرات الشبابية، التكنولوجيا، تتحول من عبء الى أداة تعبير وتأثير. ولا يمكن تجاهل دور المدرسة وطرائق التدريس فيها.
إن تدريس العربية القائم على التلقين والحفظ والنحو المجرد يساهم في نفور الطلاب منها. يجب على المعلم أن يقرّب اللغة الى نفوس الطلاب بشكل سلس والتشجيع على المطالعة. وما أحوجنا الى الحوار في التدريس لأنه يفتح آفاقا أمامهم ويعزز التفكير النقدي والابداع لديهم. وبهذا يمكن للطالب ان يشعر بأن اللغة أداة لفهم العالم المحيط، لا مادة للنجاح في الامتحان فقط.

القيامة: جرت تعديلات عديدة في منهاج اللغة العربية، ما هو رأيك فيها، وهل ساهمت في تسهيل قواعد اللغة وتقريبها الى الطلاب؟
مخول: ما جرى في منهاج اللغة العربية في بلادنا لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتاجًا لخلل بنيوي عميق، لا لسوء نية فردي، ولا لضعف في اللغة ذاتها. فالتغييرات المتكرّرة، وتعدّد الكتب التدريسيّة، وما يُسمّى تطويرًا، جرت كلّها في ظلّ خضوع شبه كامل لسياسة وزارة المعارف، الّتي تحتفظ بالكلمة الأخيرة في الإقرار والحذف والرفض، وفق اعتبارات رقابية صارمة، ولا سيما حين يتعلّق الأمر باللّغة العربيّة. في مثل هذا السياق، يصبح أيّ حديث عن إصلاح تربويّ شامل حديثًا منقوصًا، لأنّ المنهاج يُصاغ داخل سقف سياسيّ منخفض، لا داخل رؤية لغويّة حرّة.
ضمن هذا الإطار، تحوّل تعدّد الكتب من فرصة تربويّة محتملة إلى فوضى مقنّعة. فالاختلاف بين كتاب وآخر بقي في معظمه شكليًّا، لأنّ الجميع خاضعون للمنهاج نفسه والرقابة نفسها. النصوص تُبدّل، لكنّ الخطوط الحمراء ثابتة، واللّغة تُقدَّم بصورة "محايدة" مصطنعة، مجرّدة من سياقها التاريخيّ والثقافيّ، وكأنّ المطلوب لغة بلا ذاكرة ولا سؤال. وهكذا، لم يُنتج هذا التعدّد تنوعًا فكريًّا حقيقيًّا، بل كرّس سطحيّة متشابهة تُغلَّف بإخراج مختلف.
يزداد الأمر خطورة حين يقترن هذا الواقع ببعدٍ تجاريّ واضح. فالكتب التدريسيّة، في كثير من الأحيان، باتت تُكتب وتُسوّق بعينٍ على الربح وبعينٍ أخرى على اجتياز الرقابة، لا على جودة المضمون أو قدرته على بناء علاقة حيّة بين الطالب واللّغة. في هذه المعادلة، يتراجع البعد التربويّ لحساب "السلامة" الإداريّة، فتخرج كتب حذرة، ملساء، بلا جرأة فكريّة، وبلا قدرة على إشعال الفضول أو طرح الأسئلة العميقة.

ومع ذلك، سيكون من الظلم اختزال أزمة العربيّة في المناهج والكتب فقط، أو تحميل المسؤوليّة الكاملة للمعلمين. فداخل هذا الواقع المقيِّد، يوجد معلّمات ومعلّمون أكفاء، يدركون تمامًا حدود المنهاج وحقيقة الرقابة، لكنّهم يرفضون أن يكونوا أدوات صامتة. يقودهم ضمير مهنيّ حيّ، وانتماء صادق للغتهم، ووعي عميق بدورها الهُويّة الثقافيّة، فيحاولون، بما تتيحه المِساحة الضيّقة، أن يعيدوا للعربيّة شيئًا من كرامتها في الصف.
هؤلاء المعلّمون لا يلتزمون بالنصّ حرفيًا فقط، بل يمنحونه روحًا؛ يفتحون باب النقاش، يشجعون التعبير الحرّ، ويربطون اللّغة بحياة الطلاب وأسئلتهم، لا بما هو مكتوب في الكتاب وحده. وهم بذلك يؤدّون دورًا مزدوجًا: تعليم اللّغة من جهة، وحمايتها من التفريغ والتهميش من جهة أخرى. وجودهم دليل واضح على أن المشكلة ليست في من يدرّس العربيّة، بل في الإطار الّذي يُجبر فيه على العمل.
خلاصة القول أنّ أزمة منهاج اللّغة العربيّة هي أزمة سياسة تعليميّة مقيّدة، لا أزمة كفاءة بشريّة. فبين رقابة تفرض حدود المعنى، وسوق تجاريّ يفرغ الكتب من رسالتها، يبقى المعلم الواعي آخر خطّ دفاع حقيقيّ عن اللّغة. لكنّ الاعتماد على ضمير الأفراد وحده لا يكفي. فالعربيّة لا تحتاج فقط إلى معلّمين مخلصين، بل إلى قرار تربويّ شجاع يعترف بحقّها في أن تُدرَّس لغةً حيّة، كاملة، غير خائفة من ذاتها ولا من تاريخها. دون ذلك، سيبقى جهد المعلّمين مقاومة نبيلة… في نظام لا يساعدهم على الانتصار.








